لم يكن النقاش الذي دار مؤخرًا على منصة Figaro Idées بين الكاتب فَرغان أزيهاري وطارق أوبرو مجرد مواجهة عقيمة؛ بل كان كاشفًا عن أزمة شرعية عميقة تضرب صميم «إسلام فرنسا». لقد أظهر هذا الحوار منظومة من الأوهام المتبادلة: من جهة نقد جذري، ومن جهة أخرى محاولة إنقاذ لفظي (من طرف أوبرو) لا تختلف في جوهرها عن المناورات الاتصالية التي دأب عليها مسجد باريس الكبير.
1. طارق أوبرو: شمولية سطحية تُستعمل كآلية للتهرّب
اعتمد طارق أوبرو، طيلة النقاش، استراتيجيته المألوفة: الإرباك عبر خطاب متشعّب متلوّن. بدا وكأنه يتجوّل بثقة مدهشة في كل حقول المعرفة: يستدعي الإبستمولوجيا، يلوّح بما يسمّيه «ثيولوجيا»، يتقمّص دور مؤرخ الأديان، فيلسوف، عالم اجتماع، بل وحتى أنثروبولوجي. غير أنّ هذا النهم المعرفي ليس سوى واجهة.
والمفارقة أن أوبرو يوظّف كلمة théologie كما لو كانت مفهومًا بديهيًا في السياق الإسلامي، بينما ترجمتها الشائعة بـ«اللاهوت» ترجمة مضلِّلة؛ فالتراث الإسلامي لا يعرف «اللاهوت» بهذا المعنى، بل يميّز بدقة بين علم الكلام وعلم العقائد وأصول الدين، وهي مجالات لا يمكن جمعها في مصطلح واحد كما يفعل أوبرو. هذا الخلط الاصطلاحي ليس تفصيلاً لغويًا، بل يكشف غيابًا في الفهم البنيوي للحقول المعرفية التي يدّعي الانتماء إليها.
تكمن المعضلة الأساسية لدى أوبرو في ادّعائه امتلاك ناصية علوم أكاديمية صارمة دون امتلاك أدواتها المنهجية ولا عمقها التحليلي. فهو يُضخِّم المفاهيم والمصطلحات بحمولة لا يفهمها هو نفسه، ويُلبسها حجمًا يفوق حقيقتها العلمية، فيحوّلها إلى بناء لفظي متورّم يُستخدم للإيهام بالعمق بدل الإحاطة المنهجية الرصينة. إنه يتحدث في كل شيء دون أن يتقن شيئًا، وينتقل بين المفاهيم دون أن يستقرّ في أيّ منها استقرار المتخصص. وهكذا تتحوّل صورة «المثقف الشامل» التي يروّجها إلى ستار يخفي هشاشة معرفية واضحة.
2. الإسلام علمٌ مؤسَّس… لا مجال فيه للعصامية الارتجالية
فالإسلام دينٌ تشكّل عبر مذاهب راسخة تأسست على مدى القرون، ودينُ أصول الفقه والمقاصد، ودينُ علوم الحديث وعلوم القرآن وسائر العلوم الشرعية التي بُنيت لبنةً لبنة عبر تاريخ طويل من الاجتهاد والتدقيق. وهي علوم لا تُنال بالادّعاء ولا بالعصامية، بل تُتلقّى على أيدي شيوخٍ ذوي علمٍ ودراية وخبرة، نهلوا بدورهم من معلمين سبقوهم، وكبروا في طلبها، وتدرّجوا في فهمها، وأفنوا أعمارهم في التفكير فيها وضبط مناهجها.
ومن هنا يتبدّى الخلل الجوهري في خطاب طارق أوبرو: فهو يقدّم نفسه عصاميًّا في كل العلوم، يتنقّل بينها كما لو كانت حقولًا مفتوحة بلا أبواب، ويستعير من كل علم مصطلحًا أو مفهومًا ثم يضخّمه دون فهم حقيقي، ويقدّم هذا الارتجال على أنه «اجتهاد» أو «تجديد». والحقيقة أن هذه العصامية الموهومة ليست علامة نبوغ، بل دليل قطيعة مع السلسلة العلمية التي ضمنت للإسلام تماسكه عبر القرون.
3. خدعة الألقاب: لا «إمامًا أكبر» ولا شرعية مؤسسية
كشف النقاش أيضًا عبثية الألقاب المنتحلة. فطارق أوبرو يقدّم نفسه بوصفه «الإمام الأكبر لبوردو». والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك: فهو لا يشغل هذا المنصب، ولا يؤمّ المسجد الكبير للمدينة، بل يمارس مهامه في فضاء تعبدي صغير متواضع، بعيد عن أي ثقل مؤسسي، وتفصله عن بوردو عشرات الكيلومترات.
وغالبًا ما يبرّر أوبرو استقلاليته المزعومة بغياب الهرمية الكهنوتية في الإسلام السني. غير أنّ هذا تأويل مضلّل: فالإسلام وإن لم يعرف «كنيسة» بالمعنى الكاثوليكي، إلا أنه ليس «وكالة بلا بوّاب» ولا سوقًا مفتوحة بلا ضوابط. فالدين الإسلامي مؤطّر بمؤسسات عريقة وشرعية تحرس العقيدة وتنظم الممارسة، مثل مؤسسة الأزهر في مصر، ومؤسسة إمارة المؤمنين في المغرب بمجلسها العلمي الأعلى. هذه المؤسسات تمثل السدّ المنيع أمام الفوضى العقدية التي يسعى أوبرو إلى تكريسها للتحرر من كل سلطة.
4. المحاكاة كخضوع: إسقاط المسيحية على الإسلام
سعيًا لاسترضاء السلطات وكسب ودّ الدوائر الإعلامية، يقع أوبرو في خطأ فكري جسيم: إسقاط النماذج المسيحية على الواقع الإسلامي. فهو لا يسعى إلى إصلاح الإسلام من داخله، بل إلى «تنصيره» شكليًا ليصبح متوافقًا مع انتظارات سياسية آنية.
وهذا التشبّه ليس دليل حداثة، بل شكل من أشكال الخضوع الأيديولوجي. إنه يقدم نسخة «جاهزة للاستهلاك» من الإسلام، منزوعة الجوهر، ومقولبة على تاريخ ديني غريب عنه. إنها مقاربة تقوم على المجاملة وتخون خصوصية العقيدة الإسلامية خدمةً لأجندة اتصالية.
5. مسجد باريس الكبير: الصدى المؤسسي للخديعة
كان مسجد باريس الكبير حاضرًا بظله الثقيل في هذا النقاش. فهناك تتكرر المهزلة نفسها مع شمس الدين حفيظ. الدليل الذي أصدرته مؤخرًا مؤسسته ليس سوى النسخة الإدارية لخطاب أوبرو. إنه يروّج لـ«قابلية جمهورية» ظاهرية، بينما يتجنب الخوض في الأسس العقدية الحقيقية. ثمة صلة مباشرة بين ثرثرة أوبرو وتسويق حفيظ: كلاهما يسعى إلى طمأنة الدولة بأدوات اتصال «مُغربة»، دون أي التزام بإصلاح لاهوتي جاد.
6. لعبة التمثيلية: من المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية إلى منتدى الإسلام
لم يفهم كثيرون ممن شاركوا في لعبة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، ثم في منتدى الإسلام في فرنسا، أن الهدف الحقيقي من خلق هذا المنتدى لم يكن تنظيم التمثيلية، بل دفن أي تمثيل مستقل للإسلام. فقد جاء المنتدى، في جوهره، لإقبار المجلس الوطني للديانة الإسلامية وكل محاولة لبناء تمثيلية تتمتع بحدّ أدنى من استقلالية القرار عن السلطة. فالمطلوب كان — ولا يزال — صناعة تمثيلية على المقاس، تمثيلية مُطواعة، تُدار من فوق، وتستمد شرعيتها من الدولة لا من المسلمين، وتتحرك وفق إيقاع سياسي لا وفق حاجات دينية أو مؤسسية. إنهم يريدون «إسلامًا رسميًا» منزوع المخالب، وإمعةً تتلقى أوامرها من فرنسا، لا مؤسسة تعبّر عن المسلمين ولا عن تراثهم العلمي العريق.
ويُصرّ الخطاب الرسمي على التعامل مع المواطنين الفرنسيين المسلمين كأقلية هامشية، رغم أنهم عددًا أكبر من اليهود والبوذيين، بل وحتى من بعض الأقليات المسيحية. ومع ذلك، تُمارَس عليهم وصاية لا تُمارَس على غيرهم؛ فلا أحد في الدولة يجرؤ على التدخل داخل بيع اليهود أو كنائس المسيحيين أو دور عبادة البوذيين، بينما يُسمح لنفسه بالتدخل المباشر في شؤون المسلمين، وتوجيه مؤسساتهم، والتعليق على خياراتهم الدينية والتنظيمية.
7. حدود خطاب فرغان أزيهاري: نقدٌ يحتاج إلى منهج
وإذا كان خطاب طارق أوبرو يعاني من هشاشة معرفية واضحة، فإن طرح فرغان أزيهاري بدوره لم يكن بمنأى عن الثغرات المنهجية. فقد وقع في عدد من الانزلاقات التي أضعفت قوة حجته، رغم حدّته الظاهرة. أول هذه الثغرات هي النزعة الاختزالية؛ إذ تعامل مع الإسلام ككتلة صمّاء واحدة، متجاهلًا تنوّع مدارسه ومذاهبه وتجارب شعوبه، فاختزل أربعة عشر قرنًا من التاريخ في بضعة نصوص أو وقائع سياسية معاصرة. ثم جاءت الانتقائية التاريخية لتزيد الطين بلّة: فقد ركّز على الجوانب المظلمة فقط—كالرقّ أو الغزوات—متجاهلًا الإسهامات العلمية والفلسفية والحضارية التي يعترف بها كبار المؤرخين، مما جعل خطابه أقرب إلى بيان أيديولوجي منه إلى تحليل تاريخي رصين.
كما وقع في المصادرة على المطلوب حين انطلق من فرضية مسبقة مفادها أن الإسلام «يعادي الحداثة» بطبيعته، ورفض أي إمكانية للتأويل أو الإصلاح، معتبرًا كل محاولة للتوفيق مجرد «تجميل» أو «خداع». بهذا المنطق، يغلق باب النقاش قبل أن يبدأ. وزاد الأمر تعقيدًا التعميم الإحصائي؛ إذ استند إلى معطيات سوسيولوجية ظرفية للحكم على «جوهر» الدين، وهي مغالطة واضحة، لأن الأزمات الاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي لا يمكن اختزالها في نصوص دينية، بل ترتبط بعوامل تاريخية واقتصادية معقدة. وأخيرًا، وقع في تناقض منهجي صارخ: فقد انتقد المصادر الإسلامية بدعوى عدم موثوقيتها، ثم عاد ليستخدم المصادر نفسها لإدانة النبي أو التاريخ الإسلامي، وهو تناقض يكشف انتقائية في توظيف المنهج النقدي لخدمة غرض مسبق.
بهذا المعنى، لم يكن خطاب أزيهاري أكثر صلابة من خطاب أوبرو؛ كلاهما قدّم قراءة مبتسرة، أحدهما باسم «التجديد» والآخر باسم «النقد»، بينما ظلّ الإسلام—بعمقه التاريخي والمعرفي—أبعد من أن يُختزل في هذه المقاربات السطحية.
خاتمة: نهاية سوق المخادعين
أظهر هذا النقاش أن إصلاح الإسلام لن يتحقق عبر حِيَل لغوية أو اقتحامات مرتجلة لحقول معرفية غير متقنة. إن ترك الساحة لمتطفلين يبحثون عن الوجاهة أو لدبلوماسيي الدين سيحكم على أي حوار جاد بالفشل. فالإصلاح يتطلب صدقًا فكريًا، وخبرة حقيقية، واعترافًا بالمؤسسات الشرعية القادرة على مواجهة آفة الإسلاموفوبيا. دون ذلك، سيظل «إسلام فرنسا» ملعبًا لخطّابي الواجهة الذين حوّلوا الدين إلى منتج اتصالي فارغ من المعنى.