منتدى العمق

حفلة ” الصدقة “: حين تتحول البركة إلى رأسمال والطقس إلى سلطة ناعمة

في المغرب، لا تُنصب خيمة الصدقة فقط لإطعام الفقراء أو لتلاوة القرآن. تُنصب أيضًا لإعادة ترتيب المجتمع. في ظاهرها، تبدو الصدقة فعلًا تعبديًا خالصًا، لحظة شكر أو ترحّم أو طلب للبركة أو شيء خفي لا يعلمه إلا صاحب البركة. غير أن الاقتراب منها كظاهرة اجتماعية يكشف طبقات أكثر تعقيدًا: إنها فضاء لإنتاج الاعتراف، وإعادة تثبيت المكانة، وأحيانًا هندسة الولاء داخل شبكة محلية دقيقة.

حين يُعلن أحدهم عن تنظيم صدقة أو حفلة الصدقة، يتحرك محيط كامل. تُعدّ اللوائح، تُنصب الخيام أو تتهيأ الصالونات وتتزين القبب، يُستدعى الفقيه ورفاقه، ويُحدد مكان جلوس الضيوف بعناية غير معلنة. لا شيء في هذا الحدث عفوي بالكامل. فكما يشرح عالم الاجتماع Erving Goffman، الحياة الاجتماعية مسرح تُدار فيه الانطباعات، ويُقدَّم فيه الأفراد أنفسهم وفق صورة محسوبة. الصدقة أحد أكثر هذه المسارح كثافة: عرض للكرم، وإظهار للقدرة، وإعلان ضمني عن الحضور داخل الجماعة…

الكرم هنا لا يظل قيمة أخلاقية فحسب، بل يتحول إلى مورد اجتماعي. وفق تحليل Pierre Bourdieu، يمكن تحويل الرأسمال الاقتصادي إلى رأسمال رمزي يمنح صاحبه شرعية واعترافًا. الإنفاق على وليمة كبيرة لا يُقرأ فقط كفعل إحسان، بل كرسالة قوة: “أنا هنا، وقادر، ومُعترف بي”. وكلما اتسعت دائرة المدعوين، وكلما حضر فاعلون ذوو وزن اجتماعي، ارتفع الرصيد الرمزي لصاحب الدعوة. هكذا تصبح البركة، دون أن تفقد بعدها الديني، عملة اجتماعية متداولة.

لكن الصدقة لا تنتج التضامن فقط، بل تعيد إنتاج التراتبية. من يجلس في الصف الأمامي؟ من يُستقبل عند الباب؟ من يُذكر اسمه في الدعاء؟ هذه التفاصيل الصغيرة تعيد رسم حدود المكانة داخل الجماعة. صحيح أن الطقس يجمع الناس حول مائدة واحدة، كما أشار Émile Durkheim إلى قدرة الطقوس على تعزيز التضامن، لكنه في الوقت ذاته يُعيد تثبيت الفوارق بشكل ناعم، داخل فضاء يحتمي بالمقدس، مما يجعل مساءلته صعبة.

الأكثر إثارة للانتباه هو تداخل الصدقة مع المجال السياسي. في بعض السياقات المحلية، خصوصًا القروية، تُنظم الصدقات قبيل الاستحقاقات الانتخابية. لا تُرفع شعارات، ولا تُوزع منشورات. لكن المنتخب يحضر، تُلقى كلمات “عفوية”، تُنشَّط شبكة العلاقات، ويتعزز القرب. لا أحد يطلب التصويت صراحة، غير أن الولاء يتشكل داخل فضاء أخلاقي وديني يمنح الفعل حصانة رمزية. هنا لا تتحول الصدقة إلى حملة انتخابية مباشرة، بل إلى صيغة أكثر فاعلية: تعبئة ناعمة تُبنى على الامتنان والقرب والاعتراف وتوظف لتعاقد اجتماعي من نوع أخر.

في المقابل، ليست كل الصدقات تعبيرًا حرًا عن الكرم. هناك أسر تستدين لتنظيمها، خصوصًا بعد وفاة أحد أفرادها، خوفًا من كلام الناس. الامتناع قد يُقرأ كبخل أو ضعف تدين أو تراجع في المكانة. في هذه اللحظة، يتحول الطقس من خيار تعبدي إلى التزام اجتماعي غير مكتوب. السمعة تُصان بوليمة، والانتماء يُؤكد عبر إنفاق قد يفوق القدرة. البركة تصبح، بطريقة غير معلنة، ضريبة رمزية للحفاظ على الموقع داخل الجماعة.

ما يمنح هذه البنية قوتها هو اندماجها في المقدس. فمجرد مساءلة أبعادها السلطوية يُفهم أحيانًا كتشكيك في الدين ذاته. وهنا تكمن المفارقة: الطقس الذي يُفترض أنه تعبير عن الإيمان، يصبح أيضًا آلية فعالة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ. الدين لا يُستخدم خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل سياقًا شرعيًا للتجمع والتأثير، ما يجعل الحدود بين التكافل والمصلحة أكثر ضبابية.

ومع الرقمنة، اتسعت دائرة الاعتراف. لم تعد الصدقة حدثًا محليًا محدودًا بجغرافيا الدوار أو الحي. الصور تُنشر، الفيديوهات تُتداول، وعدد المشاهدات يتحول إلى مؤشر جديد للمكانة. الرأسمال الرمزي لم يعد يُبنى أمام عشرات أو مئات فقط، بل أمام جمهور افتراضي واسع. الطقس تكيف مع العصر، لكنه احتفظ بوظيفته الأساسية: تحويل العطاء إلى سلطة رمزية.

ليست الصدقة مؤامرة، وليست خدعة. إنها فعل إيمان وتكافل في جوهرها. لكنها أيضًا، في سياقات متعددة، بنية اجتماعية ذكية تعيد إنتاج المجتمع كما هو: بتراتبيته، وشبكات ولائه، وآلياته الناعمة في بناء السلطة. في خيمة الصدقة، يُتلى القرآن فعلًا، ويُطعم المحتاج، لكن في الوقت نفسه تُعاد كتابة خرائط القوة بصمت.

الصدقة ليست مجرد طقس ديني، بل مرآة دقيقة لكيف يشتغل المجتمع المغربي من الداخل، حيث لا ينفصل المقدس عن المكانة، ولا ينفصل العطاء دائمًا عن النفوذ.