هناك حديث داخل الجهاز التشريعي الأمريكي عن تصنيف جبهة البوليساريو الانفصالية كمنظمة إرهابية لما قامت به من قصف لمناطق مدنية بمدينة السمارة المغربية في 29 أكتوبر 2023، وبالضبط حي السلام وحي لازال والحي الصناعي، مما أسفر عن مقتل مواطن مغربي يقطن بفرنسا وجرح ثلاثة آخرين، ومررت المسألة في يونيو 2025 حيث أطلقت صواريخ بسيطة في منطقة خالية بضواحي السمارة لترهيب السكان ولم تسفر العملية عن ضحايا في الأرواح. بمنطق القانون الدولي والأعراف فإن ما قامت به الجبهة يدخل في دائرة الإرهاب.
لكن هل هذا يكفي لتصنيفها أمريكيا كمنظمة إرهابية، وبالتالي يمنع التعامل معها أو فتح مكاتب أو استقبال ممثلين لها أو حتى تجميد عضويتها في الاتحاد الإفريقي التي حصلت عليها أيام الحرب الباردة في الثمانينات حينما كانت القارة السمراء منقسمة بين كثلثين؟ القرار السياسي الأمريكي غالبا يتم هندسته في تنسيق كبير بين مجلس الشيوخ والرئيس، كل يقوم بدور معين، لكن هناك قوانين وقرارات يتقدم بها مشرعون لتسليط الضوء على موضوع معين أو قضية معينة.
وبما أن الاعتراف بمغربية الصحراء أصبح يحظى بإجماع الدول الغربية الكبرى ولو بدرجات مختلفة، فإن المشرعين الأمريكيين حاولوا أن يسايروا الإدارات الغربية في قضية التحول التدريجي الذي عرفه الملف. وبالفعل، هناك مقترح من النائب الجمهوري جو ويلسون عن ولاية كارولاينا الجنوبية والنائب الديمقراطي جيمي بانيتا عن ولاية كاليفورنيا، وانضم لهما مؤخرا النائب بات هاريغان عن ولاية كارولاينا الشمالية، والمقترح يرمي إلى تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية مع ما يترتب عن ذلك من نتائج. لكن هل سينجح المشروع ويصل إلى مرحلة التصويت والموافقة وتوقيع الرئيس ترامب بعد ذلك أم لا؟
أولا، معروف أن هذه السنة هي سنة انتخابية مهمة جدا حيث سيتم انتخاب مجلس النواب بالكامل (435 عضوا) وثلثي مجلس الشيوخ، لأنها بالنسبة للديمقراطيين مسألة حياة أو موت بغية فرملة الرئيس ترامب، خاصة في القضايا الداخلية، لإضعافه وإضعاف حزبه حتى يتم انتخاب رئيس ديمقراطي سنة 2028.
وعليه، تقليديا لا يتم التصويت على مشاريع القوانين بكثرة في السنة الأخيرة من عمر الكونغرس، لأن الأعضاء يكونون مشغولين بالحملة الانتخابية وتكون القضايا الخارجية لا تحظى بالأولوية، وغالبا لا يتفق الحزبان بفعل المناكفة السياسية بينهما، والفارق بينهما في الكونغرس لا يتعدى أربع أصوات.
ثانيا، الإدارة الأمريكية الحالية مصممة بشكل على غلق قوس الصحراء المغربية تحت إطار الحكم الذاتي من خلال الضغط الدبلوماسي على البوليساريو وعلى النظام الجزائري.
ولعل تشكيلة الوفد الأمريكي الذي افتتح الجولة الأولى من المفاوضات في مدريد يبين أهمية القضية بالنسبة للولايات المتحدة، فقد حضر مستشار الرئيس ترامب مسعود وبولس وسفير الولايات المتحدة في هيئة الأمم المتحدة مايكل والتز.
وتقليديا، السفير الأمريكي في الهيئة يعتبر الرجل الثاني في الخارجية بعد الوزير، ويمثل هذا الثقل الدبلوماسي الأهمية القصوى التي توليها الولايات المتحدة لشمال إفريقيا بعد التوتر مع الأوروبيين، وضرورة الاستقرار الذي ينبغي أن يعم المنطقة، ولا يمكن للإدارة الأمريكية أن تسمح لحركة انفصالية عدد أعضائها أقل من 150 ألف نسمة أن تقتطع 20% من مساحة المغرب الذي يبلغ عدد سكانه 37 مليون نسمة.
زد على ذلك، أن المفاوضات ستنتقل إلى واشنطن، مركز القرار، في شهر أبريل أو مايو على أبعد تقدير، وبالتالي فتصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية غير وارد في القريب العاجل بفعل النشاط الدبلوماسي الكبير والزخم الذي يعرفه الملف، والذي يقترب من الحل.
مسألة أخرى، وهي أنه حتى في حالة التصويت على إدراج البوليساريو كمنظمة إرهابية، فإن ذلك يحتاج إلى توقيع رئيس الدولة حتى يتحول إلى قانون، ماعدا إذا صوت عليه الكونغرس بأغلبية الثلثين، في هذه الحالة يصبح القانون مفعلا بطريقة أتوماتيكية.
عموما، في الغالب الولايات المتحدة لا تلتجئ في مثل هذه القضايا لما يسمى سياسيا “بالخيار النووي”، أي الحل الراديكالي، ولكن إذا أرادت أن تصل إلى ذلك، أي تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي، فيحتاج الأمر إما إلى قرار تنفيذي من رئيس الدولة ويمكن تغييره بقرار مماثل، أو تصويت من طرف الكونغرس لا يغيره إلا تصويت مماثل من طرف نفس المجلس.