تبنت دولة الإمارات العربية المتحدة تحت حكم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، سياسة مرنة ومسالمة تضع الوساطة في القضايا الإقليمية في قلب علاقاتها الدولية. كما انتهجت في عهد حكم الشيخ زايد، سياسة خارجية “كامنة “تعتمد أساسًا على العلاقات الوثيقة مع دول الخليج، والطبيعية مع الدول العربية والإسلامية(1). وبالتالي كان التحرك الاقليمي الإماراتي خلال هذه الفترة يقتفي آثار السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية التي كانت تشكل اللاعب الإقليمي الأساسي في المنطقة وذلك في كل القضايا الدولية والإقليمية. فقد كان الشيخ زايد يؤكد، خلال السنوات الأولى لبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، على إقامة علاقات صداقة مع جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وكذلك مع أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي بعد إنشائه في العام 1981. (2) . وبالتالي ، فقد كانت ثوابت السياسة الاقليمية للمملكة السعودية هي السمة البارزة، التي كانت تطبع السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة كالالتزام بـ “العروبة”، وبشكل أخص بقضية فلسطين، حيث شاركت دولة الإمارات العربية المتحدة في الحظر النفطي العربي الذي استمر من أكتوبر عام 1973 وحتى مارس عام 1974 (3).كما قدمت في الوقت نفسه دعمًا واسع النطاق للدول الواقعة على “خط المواجهة” في الصراع مع إسرائيل متسقة بذلك مع التوجهات الإقليمية العامة لباقي دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية . (4) لكن في تسعينيات القرن الماضي، تبنت الإمارات سياسة خارجية مستقلة عن السياسة السعودية ، و ترمي إلى أن تصبح لاعبا أساسيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يقوم بأدوار إقليمية . وقد استغلت في ذلك عدة عوامل من أهمها :
– الفراغ السياسي الذي خلفه ضعف مجموعة من القوى الاقليمية في هذه المنطقة والذي تمثل في انشغال مصر بأزماتها الداخلية ، والتدمير الاقتصادي والسياسي الذي تعرضت له العراق وسوريا بسبب الحرب ، وانشغال السعودية بالصراع مع إيران وحروب الوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان.
– التحالف القوي الذي يربطها مع الولايات المتحدة، عبر فرض نفسها كحليف قوى أو وكيل قادر على حفظ المصالح الأمريكية و مصالح حلفائها في المنطقة، خاصةً بعد تبني الولايات الأمريكية سياسة عدم التدخل بشكل مباشر في قضايا المنطقة، وتفضيل استراتيجية الإدارة من الخلف .
– التوجس الاماراتي من التحرك المتصاعد لتركيا كقوة إقليمية صاعدة لم تجد من يوقفها ويحجم تحركاتها، القائمة على حسابات سياسية وأيديولوجية.
لكن بالاضافة إلى العوامل المرتبطة بهذه الظرفية الاقليمية ، يمكن رصد ثلاث محددات أساسية تحكمت في التحرك الاقليمي الاماراتي تتمثل في تغير دواليب سلطة القرار ، و محاربة التوجه الاخواني ، والطموح للسيطرة على الموانئ.
1- تغير سلطة القرار
حدث تحولان على مستوى السلطة في دولة الإمارات، كان لهما تأثير واضح على مستوى دوائر صنع السياسة الخارجية الاماراتية :
– التحول في النفوذ داخل فيدرالية الإمارات السبع، حيث انتقل على إثره النفوذ من إمارة دبي إلى إمارة أبو ظبي، ومن أيدي حاكم دبي الشيخ “محمد بن راشد آل مكتوم” ورئيس دولة الإمارات الشيخ “خليفة بن زايد آل نهيان”، إلى أيدي ولي عهد أبو ظبي الشيخ “محمد بن زايد (5). فقد شهدت الإمارات العربية المتحدة، منذ نشأتها في العام 1971، توترات مستمرة بين مَن يطالبون بمنح سلطة أكبر للحكومة الاتحادية وبين مَن يريدون أن تحتفظ كل إمارة بالسلطة. وهذا الأمر كان مصدر احتكاك بين إمارة أبو ظبي والإمارات الأخرى، ولاسيما دبي، لسنوات طويلة. وتسبّب من حين لآخر بتشنجات حالت دون التوصل إلى موقف إماراتي موحّد في شؤون السياسات الإقليمية والخارجية، مثلما حصل خلال الحرب الإيرانية-العراقية في الثمانينيات من القرن الماضي، عندما قدّمت بعض الإمارات الدعم للعراق فيما اصطفت إمارات أخرى إلى جانب إيران. في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبسبب الاستياء من وزارة الخارجية في أبو ظبي، وهي مؤسسة اتحادية، نظرت دبي في إمكانية قيامها بفتح مكاتب للتجارة الدولية، الأمر الذي كان من شأنه أن يعزّز استقلاليتها الذاتية في صنع السياسات في ذلك الوقت. غير أن انعكاسات الأزمة المالية في 2008-2009 التي كانت ثقيلة الوطأة على إمارة دبي دفعتها إلى طلب دعم مالي من أبو ظبي بقيمة 20 مليار دولارالشيء الذي قوى من قيادة هذه الامارة.
– التحول في بنية القيادة السياسية ، إذ بتراجع نفوذ إمارة دبي، تمكنت أبو ظبي تدريجياً، بقيادة محمد بن زايد (الذي لايشغل أي منصب على المستوى الاتحادي والذي انتهج سياسات أكثر حزماً على نحوٍ متزايد)، من امتلاك مركزية صنع القرار على مستوى الإمارات العربية المتحدة. فبعد وفاة آخر الآباء المؤسسين للإمارات العربية المتحدة، الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم إمارة رأس الخيمة في أكتوبر 2010. ، أصبح محمد بن زايد صاحب القرار بحكم الأمر الواقع في أبو ظبي، مع انسحاب شقيقه الشيخ خليفة، حاكم أبو ظبي ورئيس دولة الإمارات، تدريجياً من الحياة العامة بسبب اعتلال صحته.( 6) . فتواري الشيخ خليفة منذ إصابته بجلطة دماغية في يناير 2014، جعلت محمد بن زايد يمسك بمقاليد الحكم الفعلي “من خلف العرش” في (أبو ظبي) لسنوات عديدة، حفاظا على التوازن داخل أسرة آل نهيان، وكذلك على مستوى العلاقة البينية الداخلية مع إمارة دبي. وقد تمكَّن هذا الأخيرمن التحكم في دوائر صنع القرار بعد تعيين أفراد من دائرة أسرته المباشرة، وغيرهم من الحلفاء المقربين، في أهم مواقع صنع السياسات الاقتصادية والأمنية في إمارة (أبو ظبي). بالاضافة إلى تحكمه في القطاعات الحساسة للدولة حيث يتولى محمد بن زايد منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للبترول الذي يشرف على شركة بترول أبوظبي الوطنية، وهو الجهاز الرئيسي المسؤول عن الموارد الهيدروكربونية في إمارة أبوظبي.
2- محاربة التمدد الاخواني
كانت القيادة الإماراتية في السبعينيات من القرن 20، تضم شخصيات نافذة تتعاطف مع حزب الإصلاح، أي التيار المحلي التابع للإخوان المسلمين في البلاد، وتبدي دعمها له. ومن هؤلاء الشخصيات حاكم دبي، لفترةٍ من الزمن، وحاكم إمارة رأس الخيمة الذي وفّر “ملاذاً آمناً” للإسلاميين الإماراتيين إلى حين وفاته، قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الربيع العربي. لكن بعد تغير القيادة الاماراتية بزعامة ولي العهد محمد بن زايد بدأت معارضة القادة الإماراتيين للإخوان المسلمين، ولاسيما في أبو ظبي، تتجلى في التسعينيات من القرن الماضي ، بعد التحذيرات التي أطلقها الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، لتشتدّ في عام 2003 بعدما عقد محمد بن زايد سلسلة اجتماعات مع قادة حزب الإصلاح في إطار محاولة غير ناجحة لدفعهم إلى التخلّي عن النشاط السياسي. وبالنظر لهذه المعطيات ، أصبح محمد بن زايد ينظر إلى جماعة الإخوان المسلمين وفروعها المحلية، وإلى الإسلام السياسي عموماً، بأنها تشكّل تهديداً شديداً على الاستقرار الوطني والإقليمي. فقد ترسخ لديه اعتقاد سياسي بأنهم مصمّمون على تحدّي الوضع القائم السياسي والخوف بأن يحظوا بدعم شعبي كبير في حال خوضهم للانتخابات . ولعل مما زاد من هذا التخوف السياسي هي تجربة التيارات الإخوانية في كل من تونس ومصر في مرحلة ما بعد الربيع العربي .وبالتالي ، تجذّرت لديه ذهنية المعادلة الصفرية حيث الخيار هو بين ثنائية الاستقرار وعدم الاستقرار من دون أن يكون هناك عملياً خيار وسط بين الاثنين. فعقيدة القيادة الاماراتية الجديدة ، جعلها تتخذ موقفا مضادا من كل الثورات العربية التي اندلعت في سنة 2011، حيث عارضت الثورة التونسية ، وواجهت تداعيات الحراك المصري. ولعل تزامن اندلاع هذه الثورات مع تصاعد دور الحركات الإسلامية، بالأخص جماعة الإخوان المسلمين، ووصولهم للسلطة في مصروتونس، جعل الإمارات ، تتخوف من انعكاس هذه الديناميات الجديدة على المنطقة العربية . ومن ثم أصبح عداؤها للتيارات الإسلامية ليس فكرياً فقط، بل سياسياً نالت فيه جماعة الإخوان النصيب الأكبر. فعلى الرغم من نتائج استطلاع رأي أجراه معهد واشنطن للأبحاث في نهاية عام 2014، التي عكست بأن الإخوان المسلمين يتمتعون بتصنيف إيجابي من قبل حوالي ثلث سكان دول الخليج(7)، فقد تمت ملاحقة جماعة الإخوان داخل الإمارات بعد 2011، ومحاربتها خارج البلاد بعد 2013 لتصبح حرب إقليمية مع الجماعة وفروعها(8). ولعل هذا ما دفع الإمارات لاعتبار ما حدث في مصر في 3 يوليوز 2013 “ثورة سياسية “، فيما اعتبرته تركيا انقلاباً عسكرياً. وانعكست هذه المتغيرات على التعاطي الإماراتي مع تركيا، لتنتقل معها اشتباكهما في الإقليم من خانة التنافس الطبيعي لصراع إقليمي.
2-3 السيطرة على الموانئ
على غرار باقي الدول الخليجية البترولية، يعد قطاع الطاقة بشكل خاص من أهم نقاط القوة الاقتصادية الإمارتية، وأحد دعائم سياستها الخارجية(27) . لكن بخلاف باقي الدول الخليجية ، تعد الإمارات الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تعد تعتمد في اقتصادها على النفط كمصدر رئيسي ، بل تتميز بنقل اقتصادها من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج ومتنوع، متمثل في حجم استثمارات أجنبية قوي، وقطاع سياحي واعد، فضلا عن مجال العقارات والبناء والخدمات المالية والتجارية. لكن بالاضافة إلى ذلك أولت الامارات قطاع الموانئ أهمية خاصة حيث يعتبر هذا القطاع من أهم هذه القطاعات بعد النفط،. فميناء جبل علي في دبي يعد الأفضل على مستوى الشرق الأوسط، فيما يحتل ميناء خليفة في أبو ظبي المركز الأول عالمياً من حيث سرعة النمو. ويعد ميناء الفجيرة ثاني أكبر ميناء تموين لناقلات النفط على مستوى العالم (9) وبالتالي ، فقد احتلت الإمارات في مؤشر الربط البحري العالمي 2018 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد المرتبة الثالثة عشرة عالمياً . إذ تشرف شركة “موانئ دبي”، والتي عادت ملكيتها بالكامل إلى إمارة دبي في صفقة بلغت 2.7 مليار دولار في فبراير 2020، على إدارة نحو 78 ميناء ومحطة في 40 بلداً حول العالم(29). وبالتالي ، فإن بات من أهداف التحرك الخارجي لدولة الإمارات العمل على ضمان سيطرة هذه الشركة على أغلب الموانئ حول العالم. ومن ناحية أخرى المشاركة في مشروع الحزام والطريق الصيني، عبر بناء مجموعة من المنافذ البحرية. فسياسة إدارة الموانئ أصبحت تشكل أحد المرتكزات الاقتصادية المركزية في السياسة الخارجية الإماراتية.
هوامش
1– Abdulkhaleq Abdulla, “New Assertiveness in UAE Foreign Policy,” Gulf News, 9 October 2012
2- بهذا الصدد ، أدلى الشيخ زايد بتصريح لصحيفة “الأمل” قال فيه حينها: إن “الاتحاد حريص على أن يكون له موقف موحَّد، وأن يسير في نفس الاتجاه ويتبع نفس النهج الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية”
3- للاشارة ، فإن مشاركة إمارة دبي في الحظر تأخرت ثلاثة أيام عن انضمام إمارة (أبو ظبي) للحظر النفطي العربي)،
4- -Kristian Coates Ulrichsen, “The UAE’s Evolving Power Dynamics,” Houston Chronicle/Baker Institute Blog, 1 March 2016.
5- التحوّل على مستوى الجيل الذي يتولى زمام القيادة، إذا أصبح محمد بن راشد آل مكتوم في دبي ومحمد بن زايد آل نهيان في أبو ظبي أكثر بروزاً في مجال صنع القرار بعد وفاة والدَيهما في عامَي 1990 و2004 على التوالي. وقد اعتُبِر محمد بن راشد ومحمد بن زايد شخصيتَين تحديثيتين وطموحتين، وعلى الرغم من الاختلاف إلى حد ما في مقاربة كلٍّ منهما للتنمية في دبي وأبو ظبي، يتشاركان القدرة والاستعداد لطرح أفكار طموحة .
6-
ÖMER ÖZKIZILCIK, Turkey and the UAE: Economic Allies but Regional6-
Competitors?, Politics Today, 5/12/2017, (Accessed on:2/6/2020), Link
7-
Fehim Taştekin, Türkiye ve BAE’nin ‘eksen savaşı’nın arka planında ne
bağlantıvar, 5/5/2019, (Giriş tarihi:2/6/2020),
8- وفقاً لبيانات البنك الدولي لعام 2018 ، يبلغ حجم إنتاجها النفطي 3 مليون برميل يومياً، فيما يصل استهلاكها 575 ألف، وحجم احتياطاتها المؤكدة 97 مليار برميل.
9- موانئ الإمارات.. بوابات اقتصادية إلى العالم، الخليج الإقتصادي، 4/6/2019.