كنت أرتجف من برد الخارج، بينما في الداخل نار لا تهدأ. لساني كأنه حجر، لكن في رأسي جوقة كاملة من المعاني؛ كلمات كثيرة تلمع ثم تفلت، كخيوط حرير تتشابك في نول خفي. أحاول أن أنسج جملة واحدة صادقة فلا تطيعني الحروف، أحاول أن أضع يدي على المعني الحقيقي لما أشعر به، فينفرط من بين أصابعي كسبحة إنقطعت.
كنت غاضبا… لا، كنت موجوعا، والوحدة تمتد في داخلي مثل صحراء واسعة لا يحدها سوى بصري. في تلك الفسحة اللامتناهية من العقل، رأيت نسخي القديمة: بقايا تجارب، ظلال ضحكات، وخدوش أيام لم تلتئم. الألم الماضي كان يملأني، ثم إكتشفت في طياته شيئا آخر يلسعني: غيرة صامتة، وإحتياج جارح، كحرف مكسور يطلب من ينقذه كي يستقيم في الكلمة.
إقتربت منه لا كمن يطلب نجاة، بل كمن يطلب معنى. لم أرد أن أقرأ وجهه قراءة كاملة؛ خفت أن تصير عيناه سطرا أخيرا يفضحني. فهربت إلى ما يشبه الصمت، إلى إرتباك يلبس ثوب الجرأة. كان في داخلي نهم لا يشبه الجوع، نهم يشبه محاولة محو صورة مؤلمة بصورة أخرى، كمن يمسح سطرا بالحبر ليكتب فوقه سطرا جديدا. ومع ذلك بقيت الحدود قائمة: شيء رقيق في القلب، شيء إسمه الإنتماء، كان يشدني من طرف ثوبي ويقول: تمهل… لا تحول الحنان إلى سلاح.
ثم جاءت لحظة إنكسر فيها ضبط النفس كما ينكسر الوزن إذا إختل حرف واحد. غمرتني لذة عميقة جارفة، لذة قريبة من البكاء، كأن الروح أخيرا وجدت بابا تخرج منه دون أن تتعثر. أدركت فجأة أني أحبه… لا حب العابرين، بل حب من يضع قلبه بين كفيه ويرتجف: حب يتجاوز ما عرفته سابقا، ويخيفني بالقدر نفسه.
لم تكن المشكلة في معرفته، ولا في حكايته، ولا في الطرق التي مشيها قبل أن نلتقي. المشكلة كانت في رعبي أنا: في خوفي من أن يصير إسمي هامشا في كتابه، أو صفحة عابرة في دفاتره القديمة. كنت أخاف أن أكون واحدا من سطوره… لا أن أكون كتابه كله. أخاف أن أستحيل حكاية تقال، لا وطنا يقام.
ومن يومها صرت أراقب اللغة وهي تتشكل في داخلي: كيف تتحول الغيرة إلى غين ثقيلة، والإحتياج الي حاء حارة، والحنين الي نون طويلة لا تنتهي. صرت أعشق العربية لأنها وحدها تعرف أن القلب ليس فكرة، بل حروف إذا إستقامت إستقام المعنى، وإذا إضطربت إضطرب الكون كله.