وجهة نظر

موريتانيا والبوليساريو… لماذا حان وقت مراجعة الاعتراف؟

تُعد قضية الصحراء المغربية من أطول النزاعات الإقليمية في القارة الإفريقية وأكثرها تعقيداً، غير أن مسارها في السنوات الأخيرة عرف تحولات عميقة جعلت موازين الحل تميل بوضوح نحو المقترح المغربي القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. فمنذ إنهاء الاستعمار الإسباني سنة 1975 دخلت المنطقة مرحلة صراع مفتوح، لكن هذا الصراع لم يعد اليوم كما كان في الماضي؛ إذ تشكل إجماع دولي متزايد حول ضرورة تسوية واقعية ونهائية تحفظ الاستقرار وتُنهي حالة الجمود التي عطلت التنمية لعقود. وفي هذا السياق برزت مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وعملي يحظى بدعم متصاعد من القوى الدولية الكبرى، ما يجعلها الإطار الوحيد القابل للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية.

وتكتسب هذه القضية بعداً إقليمياً حاسماً، لأن استقرار الصحراء المغربية لا يهم المغرب وحده بل يشكل مفتاح أمن وازدهار منطقة المغرب العربي والساحل بأكملها. فاستمرار النزاع يغذي التوترات ويعرقل مشاريع الاندماج الاقتصادي ويخلق ثغرات أمنية تستغلها شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة. ومن هنا فإن مواقف الدول المجاورة، وعلى رأسها موريتانيا، تكتسب أهمية استراتيجية، إذ يمكن لأي تحول إيجابي في موقفها أن يسهم بشكل مباشر في تسريع الحل النهائي وفتح آفاق جديدة للتكامل الإقليمي والتنمية المشتركة.

يتكرر التساؤل حول أسباب استمرار اعتراف موريتانيا بالبوليساريو رغم التحولات العميقة في البيئة الدولية ورغم تطور علاقاتها مع المغرب إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتقدمة. غير أن هذا الاعتراف يعود إلى سياق تاريخي خاص اتخذ فيه سنة 1984 في ظروف إقليمية مختلفة تماماً عما هو قائم اليوم. فموريتانيا آنذاك كانت خارجة من حرب استنزفت قدراتها وكانت تبحث عن تثبيت وضعها الداخلي، بينما تعيش اليوم مرحلة استقرار نسبي وانفتاح اقتصادي يجعلها أكثر قدرة على اتخاذ قرارات سيادية منسجمة مع مصالحها طويلة المدى.

إن المعادلة الأمنية التي كانت تبرر الحذر الموريتاني في الماضي لم تعد قائمة بنفس الحدة، بل على العكس، فإن استمرار الوضع الحالي يطيل أمد التوتر ويؤخر قيام فضاء مغاربي مستقر. فالمغرب أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرته على فرض الاستقرار في الأقاليم الجنوبية وتعزيز الأمن الحدودي وتطوير بنية تحتية كبرى حولت المنطقة إلى قطب اقتصادي صاعد يربط إفريقيا بأوروبا. وبالتالي فإن دعم هذا المسار أو على الأقل عدم معارضته يمثل خياراً عقلانياً يخدم مصالح موريتانيا الأمنية والاقتصادية في آن واحد.

كما أن التحولات الدولية أفرزت قناعة متزايدة بأن الكيانات غير المعترف بها دولياً لم تعد قابلة للحياة في عالم تحكمه منطق الدول والمؤسسات. وقد عبرت العديد من الدول عن دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي وافتتحت قنصليات في مدن الصحراء، في إشارة واضحة إلى الاعتراف العملي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وفي هذا السياق يصبح استمرار الاعتراف بالبوليساريو موقفاً خارجاً عن الاتجاه العام للمنتظم الدولي، وهو ما لا يخدم صورة موريتانيا كدولة تسعى إلى تعزيز علاقاتها الدولية وجذب الاستثمارات.

أما على المستوى الإقليمي، فإن موريتانيا تمتلك فرصة تاريخية لتكون شريكاً أساسياً في إعادة تشكيل فضاء المغرب العربي على أسس جديدة قائمة على التعاون بدل الصراع. فسحب الاعتراف بالبوليساريو لن يعني الانحياز لطرف ضد آخر بقدر ما يعني الانحياز للاستقرار والتنمية. كما أنه سيفتح الباب أمام مشاريع كبرى في مجالات الطاقة والنقل والتجارة العابرة للحدود، خاصة مع توجه المغرب نحو تعزيز الربط الطرقي والبحري مع عمقه الإفريقي، وهو ما سيحول موريتانيا إلى بوابة استراتيجية لهذا الامتداد.

وعلى الصعيد الداخلي، فإن الرأي العام الموريتاني يدرك أكثر من أي وقت مضى أهمية العلاقات مع المغرب، سواء من حيث التعاون الأمني أو المبادلات التجارية أو الروابط الاجتماعية والثقافية العميقة بين الشعبين. وقد أثبتت التجربة أن التقارب مع الرباط يجلب فوائد ملموسة لموريتانيا دون أن يجرها إلى أي مغامرات. لذلك فإن أي خطوة في اتجاه مراجعة الاعتراف ستجد سنداً واقعياً لدى قطاعات واسعة ترى في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً للتنمية الوطنية.

كما أن الذاكرة المشتركة بين البلدين تتجاوز فترات التوتر العابرة، إذ تربطهما أواصر تاريخية وروحية وإنسانية عميقة تجعل من التقارب بينهما خياراً طبيعياً لا ظرفياً. والمغرب بدوره أكد مراراً حرصه على سيادة موريتانيا واستقرارها ورفضه لأي تدخل في شؤونها الداخلية، وهو ما يهيئ أرضية ثقة يمكن البناء عليها لتطوير شراكة استراتيجية متكاملة.

إضافة إلى ذلك، فإن موريتانيا ستستفيد اقتصادياً بشكل مباشر من إنهاء النزاع، إذ سيؤدي استقرار المنطقة إلى تنشيط المبادلات التجارية وفتح ممرات لوجستية جديدة نحو غرب إفريقيا. كما أن مشاريع الاستثمار في البنية التحتية والطاقة يمكن أن تتحول إلى رافعة تنموية كبرى إذا تم تجاوز حالة الجمود الحالية. ومن هذا المنظور، فإن سحب الاعتراف بالبوليساريو ليس مجرد موقف سياسي بل قرار تنموي واستراتيجي بعيد المدى.

وعلى المستوى الدبلوماسي، يمكن لموريتانيا أن تقدم هذه الخطوة في إطار دعمها للشرعية الدولية ومسار الأمم المتحدة، خاصة وأن مبادرة الحكم الذاتي تُقدم باعتبارها حلاً توافقياً يضمن كرامة السكان ويصون السيادة المغربية في الوقت نفسه. وهكذا ستبدو نواكشوط كفاعل إيجابي يساهم في إنهاء نزاع مزمن بدل الاكتفاء بإدارة تداعياته.

إن القيادة الموريتانية اليوم أمام فرصة لصناعة تحول تاريخي يعزز موقع بلادها كركيزة استقرار في غرب إفريقيا. فبدل البقاء في موقع المراقب القلق، يمكنها أن تصبح شريكاً فاعلاً في بناء نظام إقليمي جديد قائم على التعاون والتنمية المشتركة. ولا شك أن اتخاذ موقف واضح من قضية الصحراء سيسهم في ترسيخ هذا الدور ويعزز ثقة الشركاء الدوليين في قدرة موريتانيا على المبادرة.

وفي المحصلة، فإن سحب الاعتراف بالبوليساريو لن يكون خطوة عدائية بقدر ما سيكون إعلاناً عن انخراط موريتانيا في منطق المستقبل بدل أسر الماضي. فالمعادلات القديمة تغيرت، والرهانات الجديدة تفرض مقاربات أكثر جرأة وواقعية. وبين الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتعزيز الشراكات الإقليمية والانسجام مع التوجه الدولي العام، يبدو أن مراجعة هذا الاعتراف أصبحت خياراً استراتيجياً يخدم موريتانيا قبل غيرها.

إن لحظة التحول قد تكون أقرب مما يُعتقد، ومعها يمكن أن تطوى صفحة طويلة من التردد ليبدأ فصل جديد من التعاون المغاربي الحقيقي. فاستقرار الصحراء المغربية ليس مكسباً للمغرب وحده، بل هو مكسب لموريتانيا والمنطقة بأسرها، وخطوة أساسية نحو بناء فضاء إقليمي آمن ومزدهر يليق بتطلعات شعوب المغرب الكبير.