منتدى العمق

صَامتْ مايْسَة، ولوْ أفطرتْ

لن أخوض في المدلول اللغوي، ولا الشرعي للصيام ؛فهذا مما قُتل درسا وتفسيرا ،حتى صارت له أدبيات ،تراكمت عبر الحِقب والأجيال ،منذ استوى تعبدا ؛ليس عند المسلمين فقط ،بل في ملل ونحل شتى،منها ما ساد وباد ومنها ما تتواصل سيادته .

و يمكن الحديث هنا حتى عن تَنَاصِّ الصيام – على غرار اشتغال هذا  المصطلح في الأدب- أممٌ وشعوب تستلهم تجارب بعضها البعض ،تزيد أو تنقص؛عن وعي أو غير وعي.

وقد اغتنت هذه الأدبيات ،اليوم أكثر من الماضي،بما يسميه الأطباء،وخصوصا “التغذويين”

ب:الصيام الصِّحي،الذي يُحرِّض البدن على استهلاكٍ مؤقت لنفسه ،تطهيرا له.

صيام لا يشتغل على المآل الميتافيزيقي ،بل على جزاء بيولوجي آني.

واغتنت أيضا بالدراسات السوسيولوجية للدين والتدين – أي دين – حتى استوت تفاصيله مواضيع بحثية تربط الشعيرة التعبدية باشتغالها الاجتماعي ؛في تمايُز واضح عن اشتغالها الجزائي الذي تخوض فيه الدراسات الفقهية المتخصصة.

في هذا الاطار فان أهمية سوسيولوجية الصيام لا تقِلُّ عن فقهيته ،المؤسَّسة على نصوصه الشرعية المُنشئة له ،عند فقهاء المسلمين وغيرهم.

ففعل الصيام هنا يُنقل من الفردية الى العمومية ،ويُنظر اليه محركا لأنشطة وعلائق اجتماعية شتى ،متشابكة ومعقدة؛ما كانت لِتستوي بكامل زخمها المؤثر في تطور ،أو تخلف المجتمع لو لم يصم الناس؛اقتناعا أو تقليدا.

وضمن هذا الاشتغال السوسيولوجي للصيام تتأسس ما يمكن تسميتها ب”ذهنية الصيام”.

عند المسلمين؛ يبدأ اشتغال هذه الذهنية حتى قبل حلول الحد الزمني:شهر الصيام.

وبمدلول  ما يصوم الناس حتى قبل الصيام.

هذا الصيام الذهني لايؤطره الفقه لعدم وجود نصوص مؤسسة له.

نصوصُ الصيام عند المسلمين تؤطِّر العبادة:  تحدد فرضها ،شروطها ،رخصها ، فرحتها ،وتَمَيُّزها عند المشرع  الأسمى ،الذي يعتبرها تخصه :

كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فانه لي وأنا أجْزِي به”.

 وعليه فعدم اهتمام الفقيه بالصيام الذهني مبرر ؛أما السوسيولوجي فيعتبره صوما بهلال يراه في كل شبكات العلاقات الاجتماعية ،في سكونها وديناميتها .

ان الاشتغال السوسيولوجي  على الصيام الذهني ليس ترفا فكريا ،أو نافلة في القول؛فهو المدخل لفهم جوانب مهمة في سلوك الانسان ،الذي يُفرضُ عليه أن يصوم صيام المجتمع ،ولو مُفطرا.

كالجالس على شاطئ البحر ،يسبح ذهنيا ولو لم يقرب مَوجا.

لا يقف الأمر بالصائم ذهنيا  عند هذا الحد المجرد ،بل يعيشه حتى ماديا؛على شكل أوامر مجتمعية بالفعل أو الامتناع،لا تتأسس على الدين فقط:

لا تقلق حتى لا يشيع القلق ،تسامح ،لا تعاتب ادارة صائمة،لا تبالغ في نفقتك، لا تظهر افطارك،لا تتعجب ان لم يهتم المجتمع برخص الافطار،تصدق،أطعم المسكين ،لا تجهد نفسك في العمل ،اسهر فالناس تسهر ،أشع التبريك وفضائل الشهر حيثما تحدثت ،وحيثما “فَسْبَكْتَ أو تَكْتكْت”،كن من المرجئة في أمور كثيرة تخصك :الى ما بعد الصيام.

حتى الزمن يُعاد تنظيمه رسميا  ،حتى يتلاءم مع هذه الذهنية ،التي غدت سلطة أقوى حتى من النصوص المعتمدة في الصيام.

سلطة تتمدد حتى خارج النصوص ،بآلية  اجتماعية ذاتية ،سيدة نفسها.

وعليه فإذا كان الصيام الشرعي ،عند المسلمين – خصوصا المغاربة منهم – كَوْكَبًا ؛فان الصيام السوسيولوجي الذهني مَجَرَّةً .

حتى المعتبرين مُفطِرين فِقها ،تَفرض عليهم سوسيولوجية الصيام  صوما ذهنيا ،أحبوا أم كرهوا.

فلا يمكن ألا تسبح ذهنيا وأنت على شاطئ البحر .

حصرُ الصيام في الكف عن شهوة البطن والفرج ،بين الأذانين العمدتين ،تبسيط فقهي بيولوجي ،اتُّخِذ عبر القرون مجالا لكلام كثير ؛القصدُ من ورائه ،فقط، تسديد ممارسة العبادة – عند المسلمين – لكنه أفضى الى انتاج مؤسسة بل سلطة تكبر عبر القرون ،ككرة الثلج.

ألا تصوم مايسة حقا؟

سواء في حالة الناشطة الاجتماعية والسياسية ، مايسة سلامة الناجي ،أو في الحالات المشابهة – أعلنتْ أو أسَرَّت –  فان الموقف يتجاوز الطعامي البيولوجي الى السوسيولوجي.

تصريحاتهم ،أو سلوكهم، يقع ضمن دائرة صيامٍ ذهني  سوسيولوجي يستغرق حتى افطارهم ،فيجعلهم من الصائمين ، رغبوا أم كرهوا.

ومن تبسيط نقاش هذه المواقف حَصرُها في ضعف الارادة ،وغلبة البِطْنة على الفطنة.

في حالة مايسة صرحت أنها كانت – على مدى عشر سنوات- تُخفي افطارها تجنبا للصدام والتنمر.

ومثلها الكثيرون ،وان لم يرتقوا الى المجاهرة ،والتشبث بالموقف ،والسعي الى احداث التغيير.

يقوم هذا منها ومنهم دليلا على صيامهم الذهني السوسيولوجي – القاهر فوقهم – الذي يرغبون في اعادة تنظيمه ،حتى تتحقق العدالة المجالية في هذا الأمر ،الذي يحتد عاما بعد عام.

ان الفضاء العام ،ليكون عاما بالفعل ،يجب أن يتسع صدره أو رصيفه لدينامية التطور والتحول المجتمعي،والأعراف والمواثيق الدولية التي تلزم الدولة.

ان الأمر أعقد من مجرد فصل في القانون؛نُثبته أو نلغيه أو نعدله.

اننا ازاء دينامية سوسيولوجية ،عصية على التحكم ،لأنها تشتغل عالميا بآليات في منتهى الفعالية ؛ومنها الميديا التي غدت أقرب الينا من حبل الوريد.

لامناص من التسامح حتى يجري على الألسن بسلاسة القول:

اني أصوم صيامك ولو أفطرتُ؛وانك تفطر افطاري وان صُمتَ.

نعم نحن في شهر فضيل ،ومن أفضاله كل هذه الدينامية التي يحدثها؛وكل هذه السلطة القابلة للتطوير.

ان الصيام ليس موضوعا للفقه فقط؛وحده الزمني ليس  بين الأذانين ،ورؤية الهلالين ؛بل تمتد شساعته لتستوعب  دينامية مجتمعية هائلة ،آخر اشتغالاتها الجوع والشبع.

وما أوسع معنى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ .. ﴿ البقرة:185

إن زمن الصيام هنا اختير لإحداث التحول الانساني المجتمعي ؛ومن ضَيَّقَ فقد استخف وما أنصف.