يعتبر الذكاء الاصطناعي من أبرز التقنيات التي أفرزتها الثورة التكنولوجية في السنوات الأخيرة، حيث أضحى محددا من محددات النمو الاقتصادي، وأداة لتسريع الابتكار في مجالات متعددة كالصناعة، والبحث العلمي، والطبي،… فضــلا عــن ذلــك، فــإن لــه دور حاســم فــي تطبيــق النظــم الرقميــة فــي قطــاع الطاقــة، فهو يمثل قيمة مضافة نوعية من خلال قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات، والتنبؤ بالمتغيرات، ودعم اتخاذ القرار الاستراتيجي، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يشكل أداة استراتيجية لتسريع التحول الطاقي نحو الاستدامة، لاسيما إذا تم توظيفه في تعزيز إدماج الطاقات المتجددة وتحسين كفاءة الشبكات، بالمقابل فإنه يحتاج في تشغيله لطاقة كهربائية ضخمة، وفي صناعته للرقائق الإلكترونية، الأمر الذي يزيد من الاستهلاك الطاقي العالمي، ويمثل أحد المظاهر السلبية لهذا النوع من التكنولوجيا، إذن فتوظيف الذكاء الاصطناعي في عملية التحول الطاقي ينطوي على تأثير مزدوج، بزيادة الطلب على الطاقة وفي نفس الوقت تحسين كفاءتها، وهي الميزة التي تدفع الدول لاستثمار الذكاء الاصطناعي، في أنظمتها الطاقية. وهو ما سيتم التطرق إليه من خلال النقط التالية:
أولا، يقوم تشغيل الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على توفر طاقة كهربائية ضخمة ومستدامة، فالحواسيب ومراكز البيانات، تحتاج إلى تشغيل مستمر ومعالجات متطورة، تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، إذ أنه بدون توفر الطاقة لا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي، كما جاء في مداخلة وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة بالمغرب، على هامش المناظرة الوطنية الأولى حول الذكاء الاصطناعي، فوفقا لبعض التقارير الدولية، فإن استهلاك مراكز البيانات قد يصل إلى 4 بالمائة من إجمالي الاستهلاك الكهربائي العالمي، ما يعادل تقريبا 1000 تيراواط/ساعة، بحلول سنة 2030، مع توقعات تضاعف الطلب بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي، أي أكثر من الطاقة الحالية التي تستخدمها دولة بأكملها مثل اليابان.
كما أن الطلب على المعادن الأساسية اللازمة لتشغيل معدات مراكز البيانات التي تدعم الذكاء الاصطناعي، يزيد من المخاوف بشأن العرض العالمي المحدود من المعادن، هذا إلى جانب التحديات الأخرى التي تتزامن مع استعمال الذكاء الاصطناعي، إذ أن الهجمات السبرانية عرفت تضاعفا على مرافق الطاقة ثلاث مرات في السنوات الأربع الماضية، ما يعرض أمن الطاقة للخطر، وهو ما يمكن التصدي له من خلال دمج الأمن السبراني في تشغيل الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر فإن الذكاء الاصطناعي يؤثر على البيئة، وذلك عن طريق ارتفاع الانبعاثات الكربونية، إذا لم يكن مصدر الطاقة متجددا، حيث بعض الدراسات تشير إلى أن تدريب نموذج لغوي واحد يمكن أن يستهلك طاقة توازي استهلاك مئات المنازل خلال عام واحد، وفي دراسة أخرى فإن تدريب نموذج لغوي واحد يمكن أن ينتج انبعاثات كربونية تعادل استهلاك خمس سيارات طوال فترة حياتها، لذلك يعتبر اللجوء لاستغلال المفاعلات النووية المتنقلة، من الحلول التي يمكن اللجوء إليها، لتوفير الكهرباء اللازمة لتشغيل معدات مراكز البيانات، الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
ثانيا، أظهرت مجموعة من التقارير الدولية أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في قطاعات الصناعة والخدمات، يساهم في تقليص الاستهلاك بنسبة 20 بالمائة، باعتباره أداة فعالة في تحسين إدارة شبكات الكهرباء الذكية، والتنبؤ بقدرات إنتاج الطاقة المتجددة، كما يدعم الذكاء الاصطناعي تطوير تقنيات التخزين وتحسين مردودية البطاريات، وهو ما قد يسهم في تقليص الانبعاثات الكربونية على المستوى العالمي، بنسبة قد تصل إلى 10 بالمائة، بحلول سنة 2030، هذا الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في إدارة وتدبير التحول الطاقي، من شأنه أن يساهم في إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للطاقة، حيث قد تنتقل الريادة من الدول النفطية إلى الدول المبتكرة في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقات النظيفة، شريطة التوظيف الجيد لتلك التكنولوجيا.
فالتقنيــة والابتــكار تعتبر جــزءًا أساســياً مــن تطويــر قطــاع الطاقــة فــي العصــر الحديــث، ومــن بيــن التقنيــات الحديثــة التــي ستقدم إســهاماً كبيــراً فــي هــذا القطــاع هناك تقنيــات الــذكاء الاصطناعي، إذ ستساهم فــي تعزيــز الاســـتدامة البيئيـــة والمســـاعدة علـــى خفـــض تكاليـــف إنتـــاج الكهربـــاء والوقـــود وتحســـين الكفـــاءة وزيـــادة الإنتاجيـــة بشـــكل كبيـــر، وسيحظـــى اســـتخدام تقنيـــات الـــذكاء الاصطناعـــي بـــدور فعـــال فـــي مجموعـــة متنوعـــة مـــن التطبيقـــات فـــي قطـــاع الطاقـــة؛ بـــدءاً مـــن تحســـين توليـــد الكهربـــاء مـــن المصـــادر المتجـــددة كالشـــمس والريـــاح، إلـــى تحســين عمليــات اســتخراج وإنتــاج النفــط والغــاز الطبيعــي، حيث أن 92% مـن الشـركات تسـتثمر حاليـاً فـي الـذكاء الاصطناعـي أو تخطـط للاسـتثمار فيـــه خلال العاميـــن القادميـــن، كمـــا أن 50 % مـــن المديريـــن التنفيذييـــن فـــي مجالـــي النفـــط والغـــاز بـــدأوا بالفعــل فــي اســتخدام الــذكاء الاصطناعــي للمســاعدة فــي حــل التحديــات التــي تواجههــم فــي مؤسســاتهم.
ثالثا، من بين الدولة المستثمرة في هذه التقنيات نجد المملكة العربية السعودية، التي أسست “مركــز الــذكاء الاصطناعي للطاقــة”، من خلال التعاون بين كل من الهيئــة الســعودية للبيانــات والــذكاء الاصطناعــي “ســدايا” ووزارة الطاقــة، بهــدف المســاهمة فــي تحقيــق أهــداف رؤيــة المملكــة لسنة 2030 فــي مجــال الطاقــة، وتعزيــز تنافســية قطــاع الطاقــة بالتركيـــز علـــى مجـــال الابتـــكار المشـــترك فـــي الـــذكاء الاصطناعـــي، وتشـــجيع البحـــث والتطويـــر، بالتعــاون مــع شــركات عالمية مثل: (IBM ) الأمريكيــة، و سـيمنس آدفنتـا (Advanta Siemens) الألمانيــة، و هاليبرتــون (Halliburton ) الأمريكيــة.
كما تعتبر الصين من الدول الرائدة في استغلال الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقة، من خلال وضع استراتيجية “الذكاء الاصطناعي + الطاقة” أواخر سنة 2025، بهدف تكريس التكامل بين القطاعين، وتطوير نماذج ذكاء متخصصة لتشغيل الشبكات، وتوليد الكهرباء، والاستخدام الصناعي، مع تنفيذ مجموعة من المشاريع التجريبية بحلول سنة 2027، واختبار أكثر من مائة حالة استخدام، بهدف التربع على ريادة العالم في دمج الذكاء الاصطناعي بقطاع الطاقي في السنوات المقبلة.
ختاما، من الصعب الحديث عن مستقبل التحول الطاقي بمعزل عن الذكاء الاصطناعي، فنحن اليوم أمام تحول تحركه الخوارزميات، وتدعمه البيانات، فمن المتوقع أن يحدث الذكاء الاصطناعي تحولا عميقا في قطاع الطاقة خلال العقود المقبلة، إذ سيؤدي إلى زيادة هائلة في الطلب على الكهرباء لمراكز البيانات حول العالم، وفي الوقت ذاته، من الممكن أن يلعب دورا مهما في خفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية وتقليص الانبعاثات، وتسريع الابتكار في تقنيات الطاقة.