لم تعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مجرد محطة انتخابية عادية في المسار السياسي المغربي، بل تحولت مع بداية هذه السنة إلى لحظة انتقال سياسي حقيقية بعد مستجدات عميقة قلبت قواعد اللعبة الحزبية وأدخلت البلاد فعليا في مرحلة ما بعد حكومة عزيز أخنوش، حتى قبل فتح الحملة الانتخابية رسميا.
أكبر تطور سياسي طبع المشهد مطلع سنة 2026 كان إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو قرار لم يُقرأ فقط كخيار تنظيمي داخلي، بل كإشارة سياسية قوية إلى نهاية دورة قيادية امتدت منذ 2016 وقادت الحزب إلى الفوز الكاسح في انتخابات 2021. هذا التحول فتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوة داخل الحزب نفسه، خاصة بعد انتخاب قيادة جديدة، ما أطلق دينامية غير معلنة من إعادة التموضع السياسي لعدد من المنتخبين والأعيان الباحثين عن مواقع آمنة قبل الاستحقاقات المقبلة، في ما يشبه موسما مبكرا للهجرة الحزبية المرتبطة دائما بمرحلة انتقال الزعامة.
هذه التطورات انعكست مباشرة على حرارة التسخينات الانتخابية التي تشهدها مختلف الأحزاب، حيث انتقلت المنافسة من مواجهة بين أغلبية ومعارضة إلى صراع مفتوح حول من سيرث موقع الحزب القائد للمشهد الحكومي. فداخل الأغلبية نفسها بدأت تظهر حسابات انتخابية جديدة، خصوصا مع سعي حزب الاستقلال إلى تعزيز موقعه تحسبا لأي تراجع محتمل لحزب الأحرار، مستندا إلى امتداده التنظيمي التقليدي واستقراره الداخلي مقارنة بباقي مكونات التحالف الحكومي.
في الجهة المقابلة، يسجل حزب العدالة والتنمية عودة تدريجية إلى الواجهة السياسية بعد سنوات من الانكماش عقب هزيمة 2021. قيادة الحزب، وعلى رأسها عبد الإله بنكيران، دخلت فعليا مرحلة التعبئة الانتخابية المبكرة عبر الدعوة إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية واستعادة الحضور الميداني، مع إعلان واضح عن الطموح للعودة إلى صدارة المشهد أو على الأقل تجاوز صدمة 13 مقعدا التي شكلت أسوأ نتيجة في تاريخه السياسي.
غير أن عودة العدالة والتنمية لا تعني بالضرورة استعادة رئاسة الحكومة، إذ تشير أغلب القراءات السياسية الحالية إلى أن انتخابات 2026 قد تفرز برلمانا أكثر تشتتا بفعل القوانين الانتخابية المؤطرة للعملية السياسية، وهو ما يجعل منطق التحالفات والتوافقات المحدد الأساسي لتشكيل الحكومة المقبلة، وليس فقط الحزب المتصدر للنتائج. وفي هذا السياق بدأ النقاش السياسي ينتقل من سؤال من سيفوز بالانتخابات إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بمن سيكون الشخصية القادرة على قيادة تحالف حكومي مستقر في مرحلة اجتماعية واقتصادية دقيقة.
غير أن أخطر ما يطبع السياق السياسي الذي تدخل فيه المملكة انتخابات 2026 لا يرتبط فقط بالتنافس الحزبي أو إعادة تشكيل التحالفات، بل بتآكل الثقة الجماعية في العملية السياسية نفسها. فعدد متزايد من المواطنين لم يعد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها آلية حقيقية للتغيير، بل كمسار يعيد إنتاج نفس النخب داخل فضاء سياسي يُنظر إليه على أنه محكوم بتوازنات مسبقة. هذا الإحساس بوجود فاعل سياسي مهيمن على قواعد اللعبة الانتخابية أصبح جزءا من النقاش العمومي، خاصة في ظل ضعف التداول الفعلي على المسؤولية الحكومية خلال العقد الأخير.
وتؤكد المعطيات الميدانية هذا التحول في المزاج السياسي العام، إذ كشف استطلاع حديث للمركز المغربي للمواطنة سنة 2025 أن حوالي 94.8 في المائة من المغاربة لا يثقون في الأحزاب السياسية، مقابل 5.2 في المائة فقط يعبرون عن ثقة محدودة فيها، وهي أدنى نسبة مسجلة منذ سنوات. كما اعتبر 91.5 في المائة من المستجوبين أن أداء الأحزاب ضعيف، في مؤشر واضح على اتساع الفجوة بين التنظيمات السياسية والمجتمع، وتحول الأحزاب في نظر فئات واسعة إلى أدوات انتخابية موسمية أكثر منها وسائط تمثيلية دائمة.
ولا يتوقف فقدان الثقة عند الأحزاب فقط، بل يمتد إلى مجموع المؤسسات المنتخبة، حيث أظهر الاستطلاع ذاته أن 89.5 في المائة من المواطنين يقيمون أداء البرلمان بشكل سلبي، بينما سجلت الحكومة بدورها 87.3 في المائة من التقييمات السلبية. هذه الأرقام تعكس أزمة تمثيلية شاملة تجعل جزءا مهما من الناخبين مقتنعين بأن نتائج الانتخابات لا تغير فعليا السياسات العمومية أو الأولويات الاجتماعية، وهو ما يفسر تصاعد العزوف الانتخابي واتساع دائرة الناخب المتردد قبيل كل استحقاق انتخابي.
وتزداد خطورة هذا المعطى مع بروز أشكال احتجاج سياسي جديدة خارج الأطر الحزبية التقليدية، كما أظهرت احتجاجات الشباب خلال سنة 2025 التي قادتها حركات غير مؤطرة تنظيميا، والتي ربط محللون ظهورها بتراكم الإحساس بالتهميش وبفقدان الثقة في الوساطة الحزبية والنقابية. فقد أصبح جزء من الجيل الجديد يفضل التعبير الرقمي أو الاحتجاج المباشر بدل الانخراط السياسي الكلاسيكي، ما يعكس تحولا عميقا من أزمة ثقة ظرفية إلى أزمة شرعية تمثيلية تهدد مستقبلا نسبة المشاركة السياسية نفسها في انتخابات 2026.
هكذا تدخل المملكة انتخابات 2026 في وضع غير مسبوق: حزب قاد الحكومة يستعد لمرحلة ما بعد زعيمه، معارضة تبحث عن لحظة العودة، وأحزاب وسطية تراهن على الفراغ القيادي المحتمل. وبين نهاية مرحلة أخنوش، وعودة الإسلاميين، وصراع الورثة داخل الأغلبية، تبدو رئاسة الحكومة المقبلة مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتخابات قد لا تحدد فقط الفائز بالصناديق، بل شكل التوازن السياسي المغربي خلال العقد القادم.