يجلس كل صباح في ركن من المقهى، الكرسي الخشبي ذو اللون البني ينتظره، والطاولة المطلة على الشارع الرئيسي تحفظ ما يتساقط من خواطره. أمامه محطة الحافلات، وخلفه حكايات لا يعرفها أحد، يشاهد حركة الناس ويخلق لكل عابر حكاية.
جاء النادل بكوب القهوة السوداء، ووضعه على الطاولة دون سؤال مسبق عن طلبه، لم يلاحظ ذلك فهو لا زال يراقب العالم في صمت إلى أن انتفض من سهوه على صوت طفل يبيع السجائر بالتقسيط:
– كم سيجارة ستقضي معك يومك؟
– هات العلبة كاملة.
اتسعت عيون الطفل فرحة، أخذ ينفذ المطلوب بسرعة فائقة كأنه يسابق الزمن خوفا من أن يغير رأيه، فنادرا ما يبيع علبة كاملة في أول الصباح. لم يكد الطفل يلتف، حتى شعر بيد تمسكه بقوة من قميصه الرث وتسحبه لتوقعه على الأرض، ثم فم يصرخ بصوت مزمجر:
– ألم أقل لك ألا تدخل هنا أيها المتشرد ثانية؟
– لقد أحضرت السجائر للعم صالح أيها النادل ذو الأنف الطويل.
بصوت غطته نبرة اللامبالاة، نطق صالح لينهي الشجار قائلا:
– كل يوم تكرر الفعل نفسه، وتستخدم الشتيمة نفسها، ألم أقل لك مسبقا أن لا أحد اختار الشارع.
– أنت سبب دخوله إلى هنا كل يوم، ماذا لو أصبح الزبائن يفرون بسببه؟
دس صالح يده في جيبه ببطء، ثم أخرج بعض الدريهمات ووضعها على الطاولة قائلا:
– خذ، الخوف هو الذي يطرد الزبائن لا الطفل.
أخذ النادل الدريهمات ويداه تترجم ارتباكه بارتجافهما، وقف مكفهر الوجه ينتظر انصراف بائع السجائر. جمع الطفل شتات خوفه المختلط بالسجائر المرمية، ونفض الغبار عن قميصه الرث، ثم قف وابتسم ابتسامة ماكرة في وجه النادل، وقال مستهزئا:
– يبدو أن البذلة النظيفة تجعلك رجلا خارقا، إياك أن تخلعها.
انصرف للتو وعينا النادل تراقبه حتى خرج، فعاد لإحضار طلبات الزبائن كعادته. أخذ صالح علبة السجائر، أخرج منها سجارتين، وضع الأولى في فمه والثانية على الطاولة تنتظر دورها، أشعل السيجارة وعيناه تتجه إلى امرأة عجوز تحمل سلة خبز لتبيعه جوار محطة الحافلة، كان يظهر عليها التعب وانحناءة ظهرها تحكي سنين القسوة، أما تلك التجاعيد فتروي مسار حياة لم يكن سهلا، فالجسد هزيل وجذور راسخة في عمق الحياة، وقفة تحمل خبزا وأملا.
تسائل في سرّه ودخان سيجارته يتطاير من شدة الحصرة:
ـ ترى ما الذي يجعل هذه المرأة وقد خرت قواها تجتاح الحياة كل يوم، هل الحاجة أم الأمل؟
أنهى السيجارة الأولى، ثم حمل الثانية يقلبها بين أصابعه ويحدق في شكلها قبل أن يضعها في فمه. وما إن اشتعلت الشرارة حتى اقتحمت تلك الصورة البشعة التي بقي يحاول مسحها سنينا مضت خلوته، صورة طفل مسكين كان يمسك بثياب أمه ويتبعها كل صباح إلى مكان معلوم ومستقبل مجهول، يجلسان قرب الرصيف وهي تحاول أن تظهر في أرثِّ صورة، فالفقر يحتاج مظهرا ليصدق، تتمتم بأدعية للرائح والعائد علها تظفر ببضع دريهمات تقي بهما نفسها من اليأس والجوع، كان يسمع دعائها للغرباء وشتائم الغرباء لها، وببراءة طفل لا زال صغيرا عن معرفة قبح المجتمع، كان يتساءل:
ـ لماذا الشتائم تصل إلى القلب وتترك أثرها أكثر من الدعاء؟
كانوا يعودون إلى منزلهم الذي أوشك على السقوط بعد أن تتورم أقدامهم مشيا، فتبدأ الأم بعدِّ الدريهمات، فيما تبدأ ذاكرته في عد الشتائم. تفرح الأم لأنها تعلم أن الجوع أشد قسوة من الإهانة، ويتصدع الطفل لأنه لم يتعلم بعد كيف ينكسر دون أن يجوع.
بينما أنهى صالح سيجارته حتى داهمه شعور بالجوع، فالذاكرة ليست مجرد صور متقطعة من ماض بعيد بل شعور عاش معه سنين طويلة، تارة يروضه، تارة يتجاهله وأحيانا كثيرة يبسط ذراعيه فيحتضنه. ذاكرة حمقاء تسترجعه إلى حيث كان هو نفسه الطفل الذي قضى أيام طفولته يعدّ الشتائم مقابل كل درهم.
وضع علبة السجائر في جيب بانطالونه والولاعة في جيب آخر، ثم خرج من المقهى واتجه صوب المرأة العجوز، كلما اقترب استشعر أنفه رائحة الرغيف الدافئ، يشتري واحدا ويدفع ثمنه، ثم عادت صور الماضي لتهاجمه ثانية فتمتم بكلمات لم يسمعها أحد وهو يبتلع مرارة الذكرى :
– كانت أمي تبيع الأدعية لتشتري خبزا محشوا بالإهانة.
وبينما يتجه بخطوات بطيئة صوب منزله في نهاية الشارع، حتى اعترض طريقه ذلك الطفل الذي باعه علبة السجائر، تقابلت العيون من جديد، أحدهما ينظر إلى طفولة تمرغت في التراب، والآخر يحدق إلى الرغيف دون أن ينطق بكلمة. عينان تتسعان أملا، يدان ترتجفان خوفا، وقدمان مستعدتان للهروب في أي لحظة. كسر صالح الرغيف نصفين، أعطى للطفل نصفا واحتفظ بالباقي لنفسه، مد الطفل يديه وعيناه زادت اتساعا، فتدفقت الكلمات كما لو أنها كانت محبوسة في الحلقوم:
– عندما أكبر سأشتري لك خبزا كثيرا.
ابتسم صالح ابتسامة هادئة وأكمل طريقه إلى البيت، بينما راح الطفل يجري مسرعا في الاتجاه الآخر يحمل حاجته وأمله بين يديه حتى غاب عن الأنظار.