مقدمة:
شنت الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل حربا على إيران يوم 28 فبراير 2026 امتدت تداعياتها على منطقة الخليج برمتها، وتمكنت خلالها الولايات المتحدة من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فهل يؤدي ذلك إلى نهاية سيرته، أم إلى صناعة رمزيته؟ وما تداعيات ذلك على مستقبل النظام الإيراني؟
أولا: الاغتيال بين إسقاط الرمزية وصناعتها:
يقول ميشيل فوكو في كتابه “المراقبة والمعاقبة” وفي خضم حديثه عن استراتيجيات العقاب، أن العقوبة بأشكالها لا تستهدف الجسد، وأن الأخير ليس هو المستهدف، فالروح هي الغاية العقوبة لا تستهدف المجرمين فقط، بل تهدف إلى إعطاء العبر للآخرين”.
وبتنزيل هذا الكلام على الواقع الدولي، فإن سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى معاقبة من يعتبرونهم مجرمين في نظرهم عبر اغتيالهم لا يستهدفهم هم شخصيا بل يستهدف اتباعهم لردعهم، وأن هدف الولايات المتحدة هو الاغتيال المعنوي للرموز (سواء مع بن لادن أو صدام حسين أو قادة حركات المقاومة كإسماعيل هنية وحسن نصر الله وأبو عبيدة… ووصولا اليوم إلى المرشد الإيراني علي خامنئي).
ولكن الأمر لا يؤدي إلى اغتيال الرمز بقدر ما يؤدي إلى صناعة الرمز وكتابة أسطوريته، وفي هذا يشير فوكو مجددا إلى أن السلطة بإمكانها أن تسيطر على الجسد ولكنها غالبًا ما تفشل في التحكم في المعنى الذي يولده الفعل. ويوضح فوكو بأن “الإعدام قد ينقلب على السلطة؛ فالجسد الذي يُقتل قد يتحول إلى رمز للمقاومة أو التعاطف”.
ولا شك أن صناعة الرمز ستكون أمرا هينا في بيئة ثقافية تجيد صناعة رموزها بامتياز كما هو حال البيئة الشيعية التي تجيد توظيف الموروث التاريخي، خاصة واقعة كربلاء، لتشكيل هوية جماعية موحدة. وبالتالي فإنه من السهولة بما كان أن يتحول المرشد الإيراني علي خامنئي إلى رمز سياسي وثقافي في المخيال الشيعي، فقد توافرت للخامنئي عدة مؤهلات تسهل تحويله لرمز ديني شيعي تسير بذكره الركبان.
1- النسب العلوي: فخامنئي سليل بيت النبوة وينتمي لأهل البيت، إذ يرجع نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول، ويعتبر أهل البيت النبوي العمود الفقري للمذهب الشيعي الذي يؤمن بأحقيتهم في الإمامة.
2- الإسم الشخصي: فخامنئي اسمه “علي” مما يجعله متطابقا مع اسم جده علي بن أبي طالب الذي يعتبر أول الأئمة عند الشيعة، لا سيما وأن الخامنئي يعتبر وفق نظرية “ولاية الفقيه” امتدادا لأئمة أهل البيت ونائبا عنهم في مرحلة الغيبة.
3- المقتل في رمضان: فقد تم قتل خامنئي في أيام رمضان وهو نفس الشهر الذي قتل فيه علي بن أبي طالب.
4- الرمزية الثورية: فقد استطاع الخامنئي الحفاظ على ثوريته ضد النظام العالمي “وقوى الاستكبار” بقيادة امريكا ولم يقدم تنازلات على حساب المبادئ التي نادى بها، مستلهما في ذلك ثورية الحسين بن علي ضد الاستبداد السياسي.
ولا ريب أن هذه المعطيات وحدها تعتبر كفيلة لتحويل خامنئي إلى رمز شيعي بارز. ليبقى السؤال الآن هو: هل تستطيع الرمزية الثقافية أن تحافظ على بقاء واستمرارية النظام السياسي؟
ثانيا: تداعيات الاغتيال على مستقبل النظام
الجواب هو أن الرمزية لا تستطيع الحفاظ على النظام قائما، ولنا في التجربة العراقية خير مثال، فرغم الصورة الرمزية التي حظي بها صدام حسين إلا أن نظامه انهار بمجرد سقوطه قبل أن نتحدث حتى عن محاكمته وإعدامه. لأن النظام العراقي كان نظاما شخصانيا مرتبطا بشخص “صدام”، وتتميز الديكتاتوريات الشخصانية بتركيز السلطات في يد الحاكم، عبر تضييق دائرة المقربين، وتعيين موالين في مناصب حساسة (القضاء/الجيش/الأمن(، وترفيع الأقارب ومنحهم مناصب مؤثرة…
صحيح أن النظام الإيراني يمتاز ببعض هذه المميزات، بيد أنه يمتاز أيضا بمؤسسات سياسية قائمة وبهيكلة دستورية تحدد صلاحيات السلطات.
فقد سمى المشرع الدستوري في إيران “الولي الفقيه” بالقائد، وصارت بسبب منه مؤسسات الحكم في إيران أربعة: “سلطة القائد، والسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية” وهذا البناء الرباعي يعد استثناء في التجارب الدستورية العالمية.
ثم إن النظر والتمعن في الفصل الثامن من الدستور المنشئ لسلطة القائد، يظهر لنا أن استحداث هذه السلطة اقتضى إنشاء سلطتين ملحقتين بها استتباعا: هما “مجلس خبراء القيادة” و”مجمع تشخيص مصلحة النظام”.
وتتجلى سلطات وصلاحيات الولي الفقيه؛ في أن مجلس الخبراء الذي يقرر اختيار الولي الفقيه لا يتم الترشح له إلا لمن يوافق عليه الولي الفقيه، وبالتالي يضمن ألا يدخله إلا أحد المنتمين لرؤيته الفكرية وتوجهاته السياسية، كذلك الحال بالنسبة لمجلس صيانة الدستور، وحتى المترشحون لمجلس الشورى لا أحد يستطيع أن يقدم نفسه مرشحا إلا بعد موافقة مؤسسة الولي الفقيه.
فاغتيال خامنئي لن يؤدي إلى تغيير النظام برمته طالما أن مجلس الخبراء مازال يؤدي وظيفته، وأنه سيختار خلفا للقائد المغتال. هذا ناهيك عن كون غياب خامنئي بالموت كان أمرا مطروحا منذ سنوات لا سيما مع تقدمه في العمر واقترابه من التسعين.
ولعل تصريحات ناتنياهو يوم 28 فبراير 2026 بعدما تزايدت مؤشرات اغتيال خامنئي تؤكد هذا الطرح، فناتنياهو كان مدركا أن اغتيال خامنئي لن يغير النظام، ولذلك خرج يطلب من الشعب الإيراني الثورة على النظام واستغلال الفرصة لقلبه.