منتدى العمق

قراءة في المجموعة القصصية “تيغيلت” أنين الجنوب، لصاحبها لحسن شعيب

يكفي أن تكون من أبناء “الجنوب الشرقي” لتشعر وأنت تقرأ هذه الأضمومة القصصية الجذابة بقُشَعْرِيرَةٍ غريبة تجتاح مسام جلدك كلها دون استثناء، وبارتعاشة باردة تداعب روحك وقلبك وعقلك جميعا، وبأمواج من مشاعر الألم والأنين الممزوجة بكثير من نوبات العشق والحنين…صحيح أن الكاتب ضَمَّنَ عنوان المجموعة عنوانا فرعيا مثيرا “أنين الجنوب”، ولكن في ثنايا هذه الأنين يسكن الكثير من الحنين…

أ_أزيز الأنين:

تتعدد صور الأنين في المجموعة: تسلط وتجبر المحتل الفرنسي: “البركة”، قساوة الحياة في القرية، والصراع بين الأهالي: “عمامة ناصر”، الفقر الشديد وشظف العيش: “مائة درهم”، مرارة الجهل والأمية: “تِمِلِمَا”، الرشوة والفساد: “يحي لا ينصرف”، الصراع بمنطق البقاء للأقوى: “تِيغِيلْتْ”، التجبر والتسلط واستغلال السلطة: “شهادة استغلال”، مرارة التهميش والإقصاء: “لا تدفنوا والدي”، الفقر المدقع والهجرة السرية: “شقراء أوسلو”، غباء الحصار والمضايقة: “اقرأ ورقه”، معاناة رجل التعليم في العالم القروي: “هذه صاحبتي”/”بائع الأكباش”، الحرمان من الخدمات الصحية: “في ظلال النخيل”، أزمة الطرق في المناطق الجبلية: “الصمعية”، مرارة الفقر والجوع: “غنيماتي أولا”.

ب_تأوهات الحنين:

لم يكتف الكاتب بإثارة الأشجان والأحزان عبر نكإ الجراح النازفة التي أثخنت أجساد وأفئدة وأرواح أهل “المغرب غير النافع”، في ثنايا هذا الفضح الصارخ، يكمن حنين آسر إلى كل القيم الجميلة التي ضاعت في أتون حضارة مادية فاسقة فاجرة قاسية خداعة ببريقها الكاذب، قيم استحضرها قلم الكاتب _ربما دون شعور_ وهو مهووس بالحديث الشجي عن آهات آل “الله يعمرها دار”: العدل والبراءة والجمال والعفة والمروءة والاعتراف بالفضل والاستقامة والنزاهة والعفوية والبساطة والتلقائية والإيثار والفرح والحب البريء الطاهر…

الدهشة والمتعة يمتزجان في كيانك وأنت تتجول بتؤدة في أروقة هذا المعرض الفني الجهوي، تسلمك لوحة فنية إلى أخرى بعد أن تكون قد استمعت واندهشت وتساءلت وتأثرت واتعظت، وتنهي جولتك في تفحص وتأمل هذه اللوحات لتشعر أن حاجاتك الروحية إلى الدهشة والمتعة قد أشبعت تماما، ولتعترف أنك في حضرة قلم باذخ بل في حضرة ريشة فنان بارع يعرف كيف ينتقي ألوانه وخطوطه وأشكاله وظلاله وأبعاده وزواياه وفراغاته وملامسه، وكيف يمزج بينها ليتحف القارئ بتحف فنية تجمع بين العمق والجمال.

إن الدهشة التي تتملكك وأنت تنتقل من قصة إلى أخرى متعددة الأبعاد:
_دهشة الحدث: القدرة الفائقة على انتقاء أحداث عادية جدا من الحياة اليومية، وتحويلها إلى قصص درامية مثيرة لأكثر من علامة تعجب وأكثر من علامة استفهام…
_دهشة الحّبكة: الحبكة في هذه الأضمومة السردية تنم عن ذكاء متميز، وعن تفكير عميق، تتوالى الأحداث في كل قصة بطريقة مدهشة تكسر أفق انتظار القارئ وتدعوه إلى إعادة ترتيب الأحداث.
_دهشة انتقاء نصوص موازية تصب في مغزى القصة وفي صميم عبرتها وجوهر مقصديتها: آيات قرآنية، أحاديث نبوية، أمثال وحكم، أقوال، أبيات شعرية…
_دهشة صياغة العناوين.
_دهشة انتقاء أسماء الشخصيات: “علا، عدي أوحماد، عشى، داني، احساين أونبارك، عدجو، عسو إيشو، عمي حوسى، يدير، تودة، باسو المامون، عبيشة، موحى، حمو…”
_دهشة انتقاء الفضاءات والأمكنة: “تازوطا، آيت تاسكطين، آيت أوورتي، آيت أومالو، آيت وامان، يتمولا “آيت هاني”، آيت يحيى…”
_دهشة الالتفات إلى هموم القرى المنسية، القرى النائية المستقرة بثبات وسكون خلف الجبال، هذه القرى على بساطتها وبدائية الحياة فيها معين ثر فياض يغني الفن ويثري الأداء الفني للكاتب إلى جانب الباحث الاجتماعي والمحلل الاقتصادي، هذه القرى شكلت معدنا صافيا لحياة الإنسانية، ولعل جريمة الحضارة المعاصرة أنها لم تترك للقرية بهاءها وجمالها وسحرها وحرية الإنسان فيها.

إن تجربة لحسن شعيب تذكرني شخصيا بتجربة علي القاسمي الكاتب العراقي المتألق الذي انتبه مبكرا إلى هموم القرية وضغوطها ومشاكل أهلها، والواقع أن “الأدب العربي الحديث قصر في التعامل مع القرية العربية، ضيع بذلك منبعا من منابع الوحي وواقعا أخذ يفلت من بين يديه ليصبح تاريخا يفقد بذلك قوة العطاء وتأثير النموذج وسلامة الفطرة.” على حد تعبير الأستاذ عبد الكريم غلاب.

_دهشة المزج بين السرد والوصف والحوار في بوتقة فنية واحدة عبر توظيف لغة عاشقة معشوقة تحبب لكل ذي موهبة أن يعانقها وتعانقه، وأجمل مواقعها الفن الإبداعي، فيه تتحرر من قاموسية الكلمة المحنطة، وعلمية الجملة المحاصرة بالفكرة المعقلنة، ومحيط النظرية ضيق الرحب محدود الأفق… اللغة موحية وليست فقط مؤشرا أو علامة أو وسيلة…

أجمل ما في هذه التجربة الإبداعية اللغة العربية الفصيحة التي تتجاوز كونها مجرد وسيلة تواصل إبداعية تجمع بين الجاذبية والجمال إلى كونها مؤشر قوي على عشق عميق يسكن قلب هذه الكاتب الأمازيغي القح، أمازيغي معتز حد النخاع بانتمائه العرقي الذي لا يتنافى إطلاقا مع اعتزازه المطلق واللامشروط بهويته الإسلامية، يفهم جيدا معنى “العروبة” وأبعادها وخلفياتها وظلالها، هذه العروبة التي تترفع عن الاختلافات الدينية وعن الانتماءات العرقية، وترتبط ارتباطا وثيقا وقويا بعروبة اللسان والثقافة، ومعنى ذلك أن العروبة ليست قومية عرقية أو إثنية، بل إنها انتماء لغوي وثقافي، هذا المعنى يؤكده الأفغاني الذي يعد كل من كانت العربية لغته، والولاء لحضارتها موقفه، عربيا، ويرى ابن باديس في السياق نفسه أن الرابطة اللغوية من أهم ما يوحد الأمم، وأن العروبة هي عروبة اللسان، ويستشهد لذلك بحديث منسوب إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “أيها الناس، إن الرب واحد، والأب واحد، وإن الدين واحد، وليست العربية بأحدكم من أب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية، فهو عربي.”، وهذا ما يجعلنا نصل إلى نتيجة مفادها أن نعتبر “كل من يتحدث العربية ويحمل هما عربيا إنسانا عربيا، فالصابئ واليهودي والمسيحي إذا تحدثوا العربية واكتسبوا ثقافتها فهم عرب، والتركي أو الفارسي أو الأمازيغي إذا تكلموا العربية واكتسبوا ثقافتها فهم عرب أيضا”.