وجهة نظر

أفول الوكلاء.. حين تتقاطع استراتيجية واشنطن مع معادلة الرباط

جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة تجاه إيران واضحة ومباشرة، خالية من المجازات الدبلوماسية المريحة. فقد حدّد، بحسب ما نُقل عنه، أهدافاً صريحة تتمثل في: تدمير القدرات الصاروخية الإيرانية، وتحييد قواتها البحرية، ومنعها من امتلاك سلاح نووي، ووقف تسليح وتمويل وتوجيه الجماعات المسلحة خارج حدودها. هذه العبارات، بصرامتها المباشرة، تعلن عن تصور استراتيجي يرى في شبكة النفوذ الإقليمي الإيرانية جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي الأمريكي.

إن التركيز على وقف تسليح وتمويل وتوجيه الجماعات المسلحة خارج الحدود، يمثل النقطة المفصلية في هذا الخطاب، لأنه يتجاوز الإطار الثنائي بين واشنطن وطهران ليمسّ فضاءات جيوسياسية متعددة، تمتد من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا والساحل. فحين تُستهدف شبكات النفوذ غير النظامي، فإن الرسالة لا تُوجَّه إلى كل تنظيمٍ أو كيانٍ استفاد من منظومة الدعم العابر للحدود.

بالنسبة إلى المغرب، لا ينبغي حصر قراءة هذا التطور في إطار التجاذب الأمريكي- الإيراني وحده، وإنما يتعيّن استحضار تداعياته المحتملة على ملف الصحراء المغربية، باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في معادلات التوازن الإقليمي ضمن سياق التحولات الجيوسياسية الراهنة. فالرباط كانت قد أعلنت في فترات سابقة عن وجود صلات أو قنوات غير مباشرة بين إيران وبعض الأطراف المناوئة لوحدتها الترابية. ومن ثم، فإن أي تحرك فعلي لتجفيف منابع الدعم الخارجي قد يؤدي إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في هذا النزاع الطويل.

إن جماعة جبهة البوليساريو، التي اعتمدت تاريخياً على شبكة تحالفات إقليمية ودولية، قد تجد نفسها أمام واقع مغاير إذا تحولت التصريحات الأمريكية إلى إجراءات تنفيذية صارمة. فالتنظيمات التي تستند في جزء من استمراريتها إلى دعم مالي أو لوجستي خارجي، تصبح أكثر هشاشة حين تتعرض شبكات الإسناد إلى ضغط منهجي، خاصة إذا جاء ذلك الضغط من قوة كبرى تمتلك أدوات العقوبات والتصنيف والملاحقة المالية.

من منظور العلاقات الدولية، يعكس خطاب ترامب انتقالاً من سياسة الاحتواء التقليدي إلى مقاربة أكثر هجومية تقوم على ضرب البنية التحتية للقوة غير النظامية. فهو لا يكتفي بمنع امتلاك السلاح النووي، بل يربط ذلك بمنظومة أوسع من تفكيك شبكات النفوذ. وهذه المقاربة، إن نُفذت فعلياً، قد تعني أن الولايات المتحدة لن تكتفي بمراقبة الفاعلين غير الحكوميين، فهي قد تتجه إلى تصنيفات أكثر تشدداً ضد من يُنظر إليهم كامتداد لشبكات إقليمية.

غير أن التحليل المتزن يفرض التمييز بين مستوى الخطاب ومستوى التنفيذ. فالسياسة الأمريكية تجاه إيران شهدت عبر العقود موجات تصعيد أعقبها احتواء، وتهديدات انتهت أحياناً إلى مفاوضات غير معلنة. ومع ذلك، فإن مجرد رفع سقف الأهداف إلى حد تدمير القدرات وتجفيف الشبكات يخلق مناخاً استراتيجياً جديداً، ويمنح حلفاء واشنطن — ومنهم المغرب — هامشاً أوسع للتحرك في ملفاتهم الإقليمية.

المغرب، الذي راكم دعماً دولياً متزايداً لمبادرة الحكم الذاتي، قد يستفيد من أي بيئة دولية تضع الفاعلين غير النظاميين تحت مجهر أمني ومالي مشدد. فالدول التي تقدم نفسها شريكاً في الاستقرار تكسب غالباً حين تُعاد صياغة الأولويات العالمية حول محاربة الشبكات العابرة للحدود وتجفيف منابع تمويلها.

ومع ذلك، تبقى المنطقة مسرحاً لتوازنات معقدة. فإضعاف طرف قد يدفع أطرافاً أخرى إلى ملء الفراغ، والتحولات الكبرى نادراً ما تكون خطية أو بسيطة. لذلك فإن المكسب الاستراتيجي لا يتحقق تلقائياً، فهو يحتاج إلى قراءة دقيقة للحظة الدولية، وتوظيف هادئ للمتغيرات دون اندفاع أو إفراط في التفاؤل.

إن ما يجري اليوم على الساحة الدولية، هو اختبار لمرحلة جديدة قد يُعاد فيها تعريف مفهوم “الوكيل الإقليمي” وحدود التساهل الدولي مع شبكات الدعم غير النظامي. وإذا تحولت الكلمات إلى سياسات، فقد نشهد إعادة ترتيب واسعة للأوراق في شمال إفريقيا والساحل، بما ينعكس على ملفات طال أمدها.

وفي السياسة كما في التاريخ، لا تكفي قوة التصريح لصناعة التحول، لكن التصريح القوي قد يكون إيذاناً بمرحلة مختلفة. والدول التي تحسن قراءة اللحظة لا تراهن على الانفعال، بل على استثمار التحول بهدوء وثبات.