اعتبرت السلطة في مجموعة من البحوث المعاصرة من الظواهر التي يصعب تعريفها، وتحديد مفهومها، كونها ظاهرة معقدة ومركبة لتعدد صفاتها ووظائفها وطبيعتها، بالإضافة إلى أنها تتطور باستمرار. وباعتبار أن السلطة بمعناها الواسع تأخذ معاني متعددة مثل: “القوة، القدرة، النفوذ، التأثير، السيطرة…، إلا أن هناك تمييزا بين هذه المفاهيم لاسيما بين القوة والسلطة، فبينما يمكن تعريف القوة على أنها القدرة في التأثير على سلوك الآخرين، فإن السلطة يمكن فهمها على أنها الحق في القيام بذلك. وإذا كانت القوة تحقق الإذعان من خلال القدرة أوالضغط .. فإن السلطة تعتمد على الحق في الحكم ويحدث الإذعان أي الخضوع للسلطة من خلال التزام أخلاقي ومعنوي من قبل المحكومين” ، وذلك في إطار تعاقدي بينهما. لذلك تصبح السلطة تلك الإرادة العليا والقوة التي تملك حق فرض إرادة الجماعة على إرادة الأفراد بما تملكه تجاههم من حق الإكراه الشرعي المستمد من المشروعية المكتسبة، وهنا يتجلى الفرق الدقيق بين القوة والسلطة وضرورة اكتساب السلطة حق ممارسة القوة بناء على عناصر أخرى والتي من أهما الشرعية والمشروعية المستمدتان في الغالب من الإرادة العامة.
وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم السلطة يخضع وينضبط داخل أنساق مفاهيمية أخرى، باعتبارها إطارات مرجعية تمثل تصورا معينا عن الكون والحياة والإنسان، ومن بين هذه المفاهيم المرجعية التي يتشكل من داخلها مفهوم السلطة ضمن المنظومة الإسلامية مثلا، نجد “التوحيد” و”الشرعية” و”الاستخلاف”… من هنا نفهم منشأ الاختلاف حول المفهوم من بيئة إلى أخرى ومن مجتمع لآخر ومن تقاليد سياسية لأخرى، لذلك كانت السلطة دائما مسلكا من مسالك التعامل بين القوى السياسية، وأسلوب من أساليب نقل المدركات والأماني والآمال في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بشكل تفاعلي بين الحاضر والتاريخ والمستقبل وباستحضار عوامل الزمان والمكان والجغرافيا.
أما مفهوم الشرعية فهو من المصطلحات التي تضاربت حولها الآراء، واختلفت باختلاف الإطار المعرفي الذي تناولها، وحتى داخل المنظومة المعرفية الواحدة نجد “أن مفهوم الشرعية يثير جدلا فقهيا وفكريا واسعا، إذ إنّ وجهات النظر المقدمة في إطار مختلف الاختصاصات والميادين المعرفية، تظهر اختلافات واضحة حول هذا المفهوم، مع أن الجميع يتفق في أن فكرة الشرعية تتعلق بالدرجة الأولى بحق الحكم، وممارسة السلطة. ففي الفكر الإسلامي التاريخي والمعاصر نجد مفهوم الشرعية حاضرا، سواء بشكل مباشر أو بمسميات أخرى، غير أن هذا المفهوم نجده يحمل عندهم دلالات متباينة وأحيانا متقاربة، فمنهم من يعتبره إطارا توافقيا لتشكيل وتأسيس النظم السياسية، باعتباره آلية مؤثرة في استقرار واستمرارية تلك النظم، وبين من يرى أن الشرعية هي مدى استناد وجود السلطة إلى الضوابط القانونية، أي كل ما هو مؤسس قانونيا أو قيميا أو عقليا ومستند إلى القواعد القانونية المعتبرة… أومن يرى أن الشرعية السياسية تعني الحق في ممارسة الحكم… وهناك من يرى أنها أساس السلطة ومبرر الخضوع والطاعة الناجمة عنها، فهي التي تؤسس للحاكم حقه في سلطة الأمر، ويحصل بها على رضا غالبية الجماهير، وعموما إن مبدأ الشرعية يكمن في امتثال الحكومة للقيم التي يرتكز إليها النظام والتي تضمن عمله وسيرورته، أي أن النظام السياسي يمتثل للإجماع الشعبي ويستجيب لتطلعاته وآماله ومرجعيته وقيمه. فالشرعية قيمة سياسية بذاتها وثقافية بجوهرها، إنها متطابقة مع الأعراف والممارسات والأفكار العامة والمنتشرة في الجماعة، كما ينظر إلى الشرعية من حيث هي القناعة بأن المؤسسات السياسية رغم ثغراتها وإخفاقاتها هي أفضل من أي مؤسسات أخرى يمكن إقامتها، مما يمنحها من حيث النتيجة الحق في طلب الطاعة والخضوع.
وفي الأدبيات الغربية يتّفق مفهوم الشرعية مع التراث الإسلامي في محاولة النظام السياسي “الحصول على رضا غالبية الجماهير ومحاولة الحصول على الرضا المتجدد. كما يتفقان في احتياج الشرعية إلى المؤسسية، فلا فعالية لنظام الحكم بدون مؤسسات” ، كما أن الشرعية بمضمونها الغربي “تركز على الطاعة والرضا العام، ولا تلتفت للأسس التي تقوم عليها، فقد تكون السلطة تستمد شرعيتها من الإيديولوجيا، أو قانونية عقلانية تستمد شرعيتها من القانون والمؤسسات، أو المكون الشخصي والولاء للزعيم، ويستفاد من ذلك خصوصية الأساس الثقافي للشرعية واختلافه من حالة إلى أخرى” . ولا شك أن مفهوم الشرعية السياسية في الإسلام “يرتبط بالأساس بنسق المفاهيم الإسلامية الأخرى كالطاعة والحاكمية والرضا والولاء والمصلحة الشرعية، إذ لا يمكن فهم هذا المصطلح في الفكر الإسلامي، والحكم على نظام ما بأنه يمتلك الشرعية، أو أنه فاقد لها دون دراسته ضمن هذا النسق العام المرتبط بتلك المفاهيم” . وخلاصة القول فالشرعية هي الطريقة التي بموجبها يصل شخص ما إلى السلطة السياسية بما يحقق رضا وقبول غالبية الشعب، فهي تتعلق بسؤال الكيف والطريقة الموصلة لسلطة الأمر.
أما المشروعية فيمكن تعريفه بأنه “المبدأ الذي يقضي بوجوب كون الأعمال الصادرة عن الإدارة مستندة إلى القانون وغير مخالفة له …حيث يتبلور جوهر الشرعية في رضا المحكومين، في حين يتبلور جوهر المشروعية في عدم مخالفة القانون وصدور العمل بالاستناد إليه” . فإذا كانت الشرعية تحيل إلى الاعتراف العام بالسلطة السياسية، وبنظام الحكم السائد بناء على القوانين المتبعة في ذلك، ورضا عموم الشعب، فإن المشروعية تتعلق بتوافق السياسات والتدابير وتصرفات تلك السلطة مع القوانين والمعايير القانونية والأخلاقية. فالشرعية تتعلق بقبول السلطة في الأصل والمنشإ، والمشروعية تتعلق بقبول القرارات والسياسات التي تنهجها تلك السلطة.
ومن داخل الفكر السياسي الإسلامي ترتبط المشروعية بشكل وثيق بمفاهيم أخرى تشكل بمجموعها تصور معين، “وأبرز هذه المفاهيم: مفاهيم الطاعة والمصلحة والاختيار والشورى وأهل الحل والعقد وولاية العهد والشوكة وأهل الوقت والقضاء” وغيرها من المفاهيم. وعموما تعد المشروعية من الإشكالات التي طرحت في فضاء الفكر الفلسفي السياسي الحديث والمعاصر، لما لها من ارتباط وثيق بالسلطة والدولة الحديثة، فالمشروعية هي أحد العناصر المهمة في مجال التنمية السياسية المتكاملة، فالسلطة ذات المشروعية تسعى لإيجاد حلول مبتكرة لإشكالات ذات مساس مباشر بالدولة والمواطن ومصالحهما، فالمشروعية إذن هي التطبيق العملي لشرعية السلطة، وتهتم بما هو منجز على أرض الواقع، أي بما هو عملي اعتمادا على الرأي العام الذي يعد مقياس الرضا من عدمه تجاه السلطة والحاكم. وتأسيسا على ذلك يمكن القول إن الشرعية مصطلح سياسي مصدره رضا الإرادة العام وعموم الشعب والأمة، بينما المشروعية مصطلح قانوني، مصدرها وأساسها مختلف القوانين والدساتير النابعة من إرادة الشعب كذلك.
أما فيما يخص علاقة السلطة السياسية بالشرعية والمشروعية وحاجتها إليهما، فيمكن القول أن أي اجتماع مدني أو سياسي يحتاج إلى نظام سياسي، والنظام السياسي بما هو مجموعة من المؤسسات والهياكل يحتاج إلى كيفية بنائه وتنظيمه وتدبيره وفق ضوابط محددة، وآليات متفق عليها ترصد حدود تدخل كل الأطراف السياسية، بما يؤثر على حياة الأفراد والجماعة، وكذلك على باقي مجالات الحياة المختلفة الاقتصادية منها والأمنية والتعليمية والصحية وغيرها. فالسلطة السياسية ضرورة اجتماعية، لأنها ضرورة يقتضيها قيام المجتمعات الإنسانية وقدرتها على الاستمرار، بل إن من الثابت بالملاحظة أن ثمة علاقة بين ظاهرة التقدم الحضاري وبين ظاهرة الاستقرار السياسي وهو من بين مقاصد وفحوى الشرعية، إذ لا استقرار سياسي بدون شرعية تضمن استمرار النظام السياسي.
فالمتتبع لطبيعة علاقة السلطة السياسية بالشرعية والمشروعية، يرى أنه “لم تخرج دراسة السلطة في الفكر السياسي عموما عن إطار بحث في علاقتها بهما، باعتبارهما تمثلان زوجا متمايزا ومتكاملا يؤسس عليه النظام السياسي. فهو زوج مفاهمي يضبط العلاقة بين طرفي السلطة، أي بين الحاكم والمحكوم” ، فالشرعية هي من تعطي الحق في استخدام القوة ويجعل استخدامها من طرف السلطة مشروعا ومقبولا، ومعلوم أن هناك مصادر ضرورية للسلطة السياسيةتمدها بالقوة السياسية، والتي من بينها إيمان الناس بشرعية النظام، وأنّ طاعته واجب أخلاقي وضرورة ملحة، وهذا متوقف على قبول النظام الحاكم وعلى خضوع وطاعة جموع المواطنين له وتعاونهم معه” ، وهذا من صميم الشرعية، فلا سلطة بدون شرعية ولا شرعية بدون مشروعية أي بدون قواعد تؤسس وتنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لتصبح قراراته وتدابيره محط رضا وقبول من طرفهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.