مع تحديد الثالث والعشرين من شتنبر 2026 موعداً لإجراء الانتخابات التشريعية المقبلة، تعود الحياة السياسية في المغرب إلى لحظة دقيقة تزداد فيها الأسئلة وتتعاظم فيها التوقعات… لحظة تعيد إلى السطح نقاشاً قديماً متجدداً حول قدرة الاستحقاقات الانتخابية على إحداث تحول حقيقي داخل المؤسسة التشريعية. فكل محطة انتخابية تحمل معها وعداً بالتجديد… ووعداً آخر بإعادة ترتيب العلاقة بين المواطن ومؤسساته المنتخبة.
الانتخابات التشريعية، في جوهرها العميق، ليست مجرد موعد دستوري يتكرر وفق إيقاع زمني معلوم… وإنما لحظة سياسية تتجدد فيها شرعية التمثيل، وتُعاد خلالها صياغة ملامح السلطة التشريعية التي تضطلع بدور محوري في البناء المؤسسي للدولة. فالبرلمان يمثل الفضاء الذي تتقاطع داخله إرادة الناخبين مع صناعة القرار العمومي، وهو المؤسسة التي توكل إليها مهمة سن القوانين ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
وقد جاء دستور 2011 بتحول مؤسساتي واضح رفع من مكانة البرلمان داخل النظام الدستوري المغربي… إذ وسع من صلاحياته التشريعية والرقابية، ومنح النواب أدوات متعددة لمساءلة الحكومة وتتبع تنفيذ البرامج والسياسات العمومية. غير أن التجربة السياسية التي أعقبت هذا التحول كشفت عن مفارقة لافتة… فبين النص الدستوري المتقدم والممارسة البرلمانية اليومية مسافة لا تزال قائمة.
فالعديد من المتتبعين يرون أن المؤسسة التشريعية لم تستثمر بعد كل الإمكانات التي وفرها الدستور الجديد. فالنقاشات التشريعية داخل البرلمان، في عدد من الحالات، تمر بوتيرة سريعة لا تعكس حجم التعقيد الذي يطبع القضايا الاجتماعية والاقتصادية المطروحة على الساحة الوطنية. كما أن المبادرات التشريعية الصادرة عن النواب تظل محدودة مقارنة مع حجم القوانين التي تأتي في الغالب عبر مشاريع حكومية.
كما أن الدور الرقابي للبرلمان، رغم توفر آليات دستورية متعددة، لم يتحول بعد إلى قوة مؤسساتية قادرة على فرض دينامية مستمرة في مراقبة تدبير الشأن العام ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية. هذه الملاحظات تفتح الباب أمام سؤال أساسي يتعلق بطبيعة النخب السياسية التي تصل إلى المؤسسة التشريعية.
فالمؤسسات الدستورية لا تعمل بمعزل عن الكفاءات التي تديرها. وكل نص قانوني، مهما بلغت دقته، يبقى في حاجة إلى نخبة سياسية قادرة على تحويله إلى ممارسة فعالة داخل الحياة العامة. ومن هنا فإن فعالية البرلمان ترتبط بدرجة كبيرة بقدرة النواب على امتلاك أدوات التشريع والتحليل، وعلى الإحاطة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
وفي هذا السياق يبرز موضوع تجديد النخب السياسية باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لتطوير الأداء البرلماني. فالديمقراطية، في جوهرها، تقوم على التداول وعلى تجدد الأفكار والرؤى داخل المؤسسات. غير أن الواقع السياسي يكشف في أحيان كثيرة عن ظاهرة معاكسة… حيث تتكرر الأسماء نفسها داخل عدد من الدوائر الانتخابية عبر دورات متتالية.
هذا التكرار يثير نقاشاً واسعاً حول طبيعة التمثيلية السياسية في المغرب. فعندما تتحول بعض المقاعد البرلمانية إلى امتداد لشبكات النفوذ المحلي أو العائلي، فإن العملية الانتخابية تفقد جزءاً من معناها التنافسي، ويتحول البرلمان تدريجياً إلى فضاء يعكس موازين القوى التقليدية بدل أن يكون مجالاً لإنتاج الأفكار والسياسات الجديدة.
ومن جهة أخرى، يظل الفساد الانتخابي أحد أبرز التحديات التي تواجه تطور الممارسة الديمقراطية. فالمال الانتخابي وشبكات السمسرة السياسية واستعمال النفوذ المحلي كلها عوامل تضعف الثقة في العملية الانتخابية وتخلق تفاوتاً غير مشروع بين المرشحين.
فالانتخابات التي تقوم على منطق النفوذ المالي لا تفرز بالضرورة تمثيلية سياسية حقيقية… لأنها تمنح الأفضلية لمن يمتلك القدرة على تعبئة الموارد المالية أكثر مما تمنحها لمن يمتلك الرؤية السياسية أو البرنامج الإصلاحي.
ولهذا فإن أي حديث عن إصلاح حقيقي للعملية الانتخابية يظل مرتبطاً بضرورة تعزيز آليات المراقبة القانونية للحملات الانتخابية، وضمان شفافية مصادر التمويل السياسي، وتجفيف منابع الفساد الانتخابي التي تسيء إلى صورة المؤسسات المنتخبة.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة، يعود أيضاً إلى الواجهة سؤال المشاركة السياسية. فالعزوف الانتخابي أصبح خلال السنوات الماضية أحد أبرز المؤشرات التي تعكس تراجع الثقة في العمل السياسي. فجزء من المواطنين لم يعد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها أداة فعالة للتغيير، بل يرى فيها حدثاً يتكرر دون أن يترك أثراً واضحاً في الواقع اليومي.
غير أن هذا العزوف يحمل بدوره مفارقة مهمة… فغياب المشاركة الواسعة في العملية الانتخابية يفتح المجال أمام الفاعلين التقليديين وشبكات النفوذ المحلية لمواصلة السيطرة على نتائج الانتخابات. فالديمقراطية بطبيعتها تقوم على المشاركة، وكل تراجع في هذه المشاركة يضعف حيوية الحياة السياسية.
ومن هنا فإن الرهان الحقيقي في انتخابات شتنبر 2026 لا يتعلق فقط بتغيير بعض الأسماء داخل مجلس النواب… بل يرتبط أساساً بإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فالثقة السياسية لا تتشكل عبر الشعارات الانتخابية، وإنما تنبني عبر الممارسة اليومية للنخب السياسية داخل المؤسسات.
كما أن تجديد النخب لا يتحقق فقط عبر تغيير الوجوه داخل اللوائح الانتخابية… بل يتطلب أيضاً إصلاحات عميقة داخل الأحزاب السياسية نفسها، من خلال اعتماد معايير واضحة في اختيار المرشحين، وتعزيز التكوين السياسي، وإفساح المجال أمام الطاقات الشابة القادرة على تقديم إضافة نوعية للحياة البرلمانية.
ومع اقتراب هذه المحطة الانتخابية المهمة، يبقى السؤال مفتوحاً أمام مختلف الفاعلين السياسيين: هل ستنجح الانتخابات المقبلة في فتح صفحة جديدة داخل التجربة البرلمانية المغربية؟ أم أن المشهد السياسي سيعيد إنتاج التوازنات نفسها التي طبعت التجارب السابقة؟
وختاماً، فإن مستقبل المؤسسة التشريعية في المغرب لا يتحدد فقط بنتائج صناديق الاقتراع… بل يتوقف أيضاً على قدرة الفاعلين السياسيين على تحويل البرلمان إلى فضاء حقيقي للنقاش العمومي وصناعة القرار، وإلى مؤسسة قادرة على مراقبة السياسات العمومية وحماية المال العام والدفاع عن مصالح المواطنين.
فالديمقراطية لا تزدهر بمجرد تنظيم الانتخابات… وإنما تزدهر عندما تتحول المؤسسات المنتخبة إلى أدوات فعالة لخدمة الصالح العام، وعندما يصبح البرلمان فضاءً حقيقياً للتشريع المسؤول والمساءلة الجادة. وفي هذا السياق تبدو انتخابات شتنبر 2026 محطة سياسية مفصلية… محطة تحمل في طياتها رهانات كبيرة على مستقبل العمل البرلماني في المغرب.