بين مطرقة التهديد الإرهابي وسندان الردود السياسية المتشنجة، لم تكن تفجيرات 16 ماي 2003 مجرد حدث أمني عابر، بل كانت الاختبار الحقيقي الذي كشف “جينات” الصحافة المستقلة في المغرب، حيث استعرض تجربة جريدة “الصحيفة” في تغطية التحولات السياسية والأمنية التي أعقبت تلك الأحداث، والعلاقة التي نسجتها الجريدة مع مختلف الفاعلين السياسيين، وعلى رأسهم الإسلاميون.
في الحلقة التاسعة من برنامج “شهادات خارج النص”، يستعيد الأستاذ الجامعي والصحافي السابق أحمد بوز ذاكرة تلك المرحلة العصيبة، كاشفا كيف تحولت “الصحيفة” إلى جبهة دفاع عن التعددية السياسية في اللحظة التي طالبت فيها قيادات حزبية وازنة بـ”إعدام” حزب العدالة والتنمية سياسيا، في مفارقة تاريخية وضعت شعارات الديمقراطية على المحك”.
وتوقف بوز عند طبيعة تعاطي الصحافة المستقلة مع ملف الإسلاميين في المغرب خلال مرحلة ما بعد تفجيرات تفجيرات الدار البيضاء 16 ماي 2003، معتبرا أن تلك المرحلة كانت اختبارا حقيقيا لحرية التعبير ولقدرة الإعلام على التوفيق بين المهنية ومتطلبات الأمن.
الإسلاميون كمصدر رئيسي للأحداث
وأوضح بوز أن الإسلاميين كانوا يشكلون مادة أساسية للعمل الصحافي في تلك الفترة، قائلا إنهم كانوا “صناع محتوى” في المشهد السياسي والإعلامي، بحكم حضورهم القوي في النقاش العمومي والبرلماني.
وأشار رئيس التحرير الأسبق بجريدة “الصحيفة” المتوقفة عن النشر منذ سنة 2007، إلى أن الاهتمام بهم لم يكن مرتبطا فقط بأحداث 16 ماي، بل سبقها بسنوات، خاصة منذ انتخابات الانتخابات التشريعية المغربية 1997 التي كرست حضورهم كقوة سياسية مؤثرة.
وأضاف أن صعود حزب العدالة والتنمية في تلك المرحلة، إلى جانب أنشطة جماعة العدل والإحسان، جعلا من الإسلاميين فاعلا أساسيا في الحياة السياسية، وهو ما فرض على الصحافة متابعتهم عن قرب باعتبارهم طرفا رئيسيا في الأحداث.
وتحدث بوز عن العلاقات المهنية التي نسجها صحافيو الجريدة مع عدد من القيادات الإسلامية، من بينهم عبد الإله بنكيران و والمصطفى الرميد، مؤكدا أن التعامل معهم كان يتم بمنطق مهني وموضوعي، رغم الاختلافات المرجعية والفكرية.
تضييق الهامش بعد قانون الإرهاب
وقال إن الجريدة لم تكن تعتبر نفسها “صوتا للإسلاميين”، بل صوتا للقضايا التي تتعرض للتضييق، مشيرا إلى أن الدفاع عن حق الإسلاميين في التعبير والمشاركة السياسية كان جزءا من الدفاع عن الديمقراطية وقواعد التعددية السياسية.
وبالعودة إلى أجواء ما بعد تفجيرات 2003، أشار بوز إلى أن النقاش السياسي آنذاك شهد دعوات من بعض القيادات الحزبية إلى حل حزب العدالة والتنمية، وهو ما اعتبرته الجريدة موقفا صادما، خاصة عندما صدر عن قيادات من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفق تعبيره.
وأوضح بوز أن الجريدة نشرت افتتاحيات وآراء تدافع عن حق الحزب في الوجود والعمل السياسي، معتبرة أن الخلاف الفكري مع الإسلاميين لا يمكن أن يبرر حرمانهم من المشاركة السياسية طالما أنهم يلتزمون بالعمل السلمي وبقواعد الديمقراطية.
وأكد بوز أن الهامش الذي عرفته الصحافة المغربية خلال مرحلة الانتقال بين عهدي الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس، شهد تراجعا بعد أحداث 16 ماي، خاصة مع اعتماد قانون مكافحة الإرهاب المغربي 2003.
وأوضح أن هذا القانون أثار جدلا واسعا داخل الأوساط الحقوقية والصحافية، حيث اعتبره عدد من المحامين والحقوقيين أداة قد تُستخدم لتقييد الحريات، رغم الحاجة إلى مواجهة التهديدات الأمنية.
الأمن وحرية الصحافة
وفي تحليله لظاهرة التطرف، شدد بوز على أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لمواجهة الإرهاب، معتبرا أن الحل يتطلب أيضا معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تفرز التطرف.
وأشار في هذا السياق إلى أن عددا من منفذي تفجيرات الدار البيضاء خرجوا من أحياء مهمشة مثل حي سيدي مومن، وهو ما يعكس – بحسبه – نتائج اختيارات سياسية وتدبيرية راكمت التهميش في تلك المناطق.
وشدد بوز على أن الصحافة في تلك المرحلة كانت تحاول الموازنة بين الدفاع عن حرية التعبير والحفاظ على استقرار البلاد، معتبرا أن التحدي الحقيقي كان يتمثل في مواصلة النقاش العمومي حول الإرهاب دون السقوط في التبرير أو في التضييق على الحريات.
وخلص رئيس تحرير الأسبق أن تجربة تلك المرحلة أبرزت أهمية الإعلام المستقل في مرافقة التحولات السياسية، وفي الدفاع عن قواعد الديمقراطية والتعددية داخل المجتمع.