مقدمة
يشهد العالم المعاصر تحولات عميقة بفعل الثورة الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط التواصل الإنساني ووسائل إنتاج المعرفة وتداولها. فقد أصبحت الشبكات الاجتماعية جزءًا أساسيا من الحياة اليومية للأفراد، خاصة لدى فئة الشباب والمتعلمين بل وحتى الأميين، حيث تحولت من مجرد وسائط للتواصل إلى فضاءات اجتماعية وثقافية تؤثر في تشكيل الاتجاهات وبناء التصورات القيمية والسلوكية. ولم تعد القيم تنتقل فقط عبر مؤسسات التنشئة التقليدية مثل الأسرة والمدرسة، بل أصبحت البيئة الرقمية مجالًا مؤثرًا في بناء القيم أو إضعافها.
وفي هذا السياق تبرز إشكالية تربوية أساسية تتعلق بمدى قدرة التربية المعاصرة على مواكبة التحولات الرقمية، وعلى توجيه المتعلمين نحو الاستخدام المسؤول والواعي لوسائل الإعلام الجديدة، بما يحفظ منظومة القيم ويحول دون الانزلاق نحو مظاهر العنف الرمزي أو خطاب الكراهية أو الاستهلاك غير الواعي للمحتوى الرقمي. ومن هنا تكتسب التربية على القيم في العصر الرقمي أهمية متزايدة، باعتبارها إطارًا موجها للسلوك الإنساني في فضاء يتسم بالانفتاح والتعقيد في آن واحد.
الإعلام الرقمي وتحول الفضاء القيمي
يقصد بالإعلام الرقمي مجموع الوسائط التي تعتمد على التقنيات الرقمية وشبكات الإنترنت في إنتاج المحتوى الإعلامي وتداوله، بما في ذلك المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية المختلفة وأخيرا تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتنوعة. وقد أسهم انتشار هذه الوسائط في ظهور فضاء تواصلي جديد يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ويتيح للأفراد التعبير عن آرائهم والمشاركة في النقاشات العامة بصورة غير مسبوقة.
غير أن هذا التحول في طبيعة المجال الإعلامي لم يخل من آثار قيمية عميقة. فالإعلام الرقمي لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يشارك في تشكيل أنماط التفكير والسلوك، وفي إعادة صياغة المعايير الاجتماعية التي توجه أفعال الأفراد. وفي هذا الصدد يشير عدد من الباحثين إلى أن الشبكات الاجتماعية أصبحت تؤدي دورًا مهمًا في عمليات التنشئة الاجتماعية، بحيث أصبحت مصدرًا مؤثرًا في تكوين الاتجاهات والقيم لدى الشباب.(1)
كما أن طبيعة التفاعل الرقمي، الذي يتم غالبًا في فضاء افتراضي يفتقر إلى الضوابط الاجتماعية المباشرة، قد تؤدي أحيانًا إلى ظهور أنماط من السلوك لا تنسجم مع القيم الأخلاقية للمجتمع، مثل التنمر الرقمي أو نشر الأخبار الزائفة أو خطاب الكراهية. ويرى بعض الباحثين أن البيئة الرقمية تمثل مجالًا جديدًا للصراع القيمي بين ثقافات مختلفة وأنماط متباينة من السلوك الاجتماعي (2).
الشبكات الاجتماعية وإشكالية القيم لدى الشباب
تشكل فئة الشباب الفئة الأكثر تفاعلًا مع الإعلام الرقمي، إذ أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيا من حياتهم اليومية. ويتيح هذا الفضاء إمكانات كبيرة للتعلم والتواصل وتبادل المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات أخلاقية وقيمية متعددة.
فمن جهة، تسهم هذه الشبكات في توسيع دائرة التواصل الاجتماعي وتعزيز فرص التعلم الذاتي والتفاعل الثقافي بين المجتمعات. ومن جهة أخرى، قد تؤدي بعض الممارسات المرتبطة بالاستخدام غير الواعي لهذه الوسائط إلى إضعاف بعض القيم الاجتماعية، مثل احترام الخصوصية أو الالتزام بآداب الحوار. وتشير بعض الدراسات إلى أن الاستخدام المفرط للشبكات الاجتماعية قد يؤثر في العلاقات الاجتماعية الواقعية وفي التوازن النفسي لدى الشباب (3)، كما أن سرعة انتشار المعلومات في البيئة الرقمية تجعل من الصعب أحيانًا التحقق من مصداقية المحتوى، مما يفتح المجال أمام انتشار الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة.
وقد أصبح هذا الأمر يمثل تحديًا حقيقيًا أمام التربية المعاصرة، التي لم تعد مطالبة فقط بتعليم المعارف والمهارات، بل أيضًا بتنمية القدرة النقدية لدى المتعلمين حتى يتمكنوا من التعامل الواعي مع المحتوى الرقمي.
التربية على القيم في العصر الرقمي
أمام هذه التحولات المتسارعة، تبرز الحاجة إلى تطوير مقاربات تربوية جديدة تعزز حضور القيم في البيئة الرقمية. فالتربية على القيم لا تقتصر على نقل المبادئ الأخلاقية في صورتها النظرية، بل تهدف أساسًا إلى تحويلها إلى سلوكيات عملية في الحياة اليومية، بما في ذلك الحياة الرقمية.
وفي هذا السياق ظهر مفهوم المواطنة الرقمية الذي يشير إلى مجموعة من القيم والمهارات التي تمكن الأفراد من استخدام التكنولوجيا بطريقة مسؤولة وأخلاقية تحترم حقوق الآخرين وتراعي القواعد الاجتماعية للتواصل (4). ويتضمن هذا المفهوم عدة أبعاد، من بينها احترام الخصوصية الرقمية، والالتزام بآداب الحوار الإلكتروني، والوعي بمخاطر المعلومات المضللة.
كما تؤكد الأدبيات التربوية المعاصرة على أهمية تنمية التفكير النقدي لدى المتعلمين، حتى يتمكنوا من تحليل الرسائل الإعلامية وتقييمها بصورة واعية، بدل الاكتفاء بالاستهلاك السلبي للمحتوى الرقمي. ويشير بعض الباحثين إلى أن التربية الإعلامية أصبحت جزءًا أساسيا من التربية الحديثة، لأنها تساعد المتعلمين على فهم طبيعة الإعلام وتأثيراته الاجتماعية والثقافية (5)، ومن جهة أخرى، يمكن استثمار الإمكانات الإيجابية للإعلام الرقمي في تعزيز التربية على القيم، من خلال إنتاج محتويات تعليمية وثقافية تسهم في نشر قيم التعاون والتسامح والمسؤولية الاجتماعية. فالتكنولوجيا في حد ذاتها ليست عاملًا سلبيًا أو إيجابيًا، بل يتحدد أثرها وفق طريقة استخدامها والمرجعيات القيمية التي توجه هذا الاستخدام.
خلاصة
لقد أدت الثورة الرقمية إلى بروز فضاء اجتماعي جديد أصبحت فيه الشبكات الاجتماعية أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل القيم والسلوكيات، خاصة لدى فئة الشباب. وقد أتاح هذا الفضاء إمكانات واسعة للتواصل وتبادل المعرفة، لكنه في الوقت نفسه طرح تحديات تربوية وأخلاقية معقدة تتعلق بانتشار بعض الممارسات التي قد تتعارض مع القيم الإنسانية.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز التربية على القيم في العصر الرقمي، من خلال تطوير برامج تربوية تعزز الوعي الأخلاقي والنقدي لدى المتعلمين، وتساعدهم على استخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة ومتوازنة. إن بناء ثقافة رقمية قائمة على احترام الإنسان والالتزام بالقيم الأخلاقية يشكل اليوم أحد أهم رهانات التربية المعاصرة في عالم يتسم بالتغير المتسارع والتداخل الثقافي.
المصادر
1- عبد الحميد، محمد. نظريات الإعلام واتجاهات التأثير. القاهرة: عالم الكتب (2015).
2- العريضي، محمد بن سعد. الإعلام الجديد والتحولات المجتمعية. الرياض: مكتبة الرشد. 2019
3- العتيبي، عبد الله بن سعد. شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيراتها الاجتماعية والثقافية. الرياض: دار جامعة الملك سعود للنشر. 2020.
4- ريبِل، مايك. المواطنة الرقمية في المدارس. عمّان: دار المسيرة للنشر والتوزيع. 2016
5- حسين، سمير محمد. الإعلام الجديد: المفاهيم والوسائل والتطبيقات. القاهرة: دار عالم الكتب. 2018
6- بويد، دانا. إنه أمر معقد: الحياة الاجتماعية للمراهقين في عصر الشبكات. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. 2018
7- كاستلز، مانويل. مجتمع الشبكات: الاقتصاد والمجتمع والثقافة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة. 2019