حين نتأمل حضور الإسلام في التاريخ والواقع المعاصر، نجد أنفسنا أمام مفارقة عميقة لا يمكن تجاوزها بسهولة: هل الإسلام تجربة روحية فردية تُعنى بخلاص الإنسان الداخلي وتزكيته الأخلاقية؟ أم أنه منذ نشأته الأولى انخرط في مشروع سياسي ـ حضاري جعل منه دين دولة وأمة وإمبراطورية؟
هذه الإشكالية لا تظهر فقط في التنظير الفكري، بل تتجسد بوضوح في قضايا معاصرة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فالكثير من فصائل المقاومة ذات المرجعية الإسلامية لا ترى فلسطين مجرد أرض محتلة أو قضية وطنية قابلة للتفاوض السياسي، بل تعتبرها جزءا عضويا من جسد الأمة الإسلامية، ووقفا دينيا، وساحة جهاد ذي طابع مقدس. هنا يتحول الإسلام إلى هوية جامعة تتجاوز الحدود القومية، ويغدو الصراع مع المشروع الصهيوني صراعا عقائديا قبل أن يكون سياسيا، أو على الأقل، هذا ما يعتبره العامة من المسلمين.
في هذا السياق، نجد حركات مثل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” تربط خطابها التحرري بمرجعية دينية صريحة، معتبرة أن تحرير الأرض لا ينفصل عن استعادة الهوية الإسلامية. كما أن الثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخميني أعادت هي الأخرى تأطير فلسطين ضمن تصور ديني كوني، حيث أصبحت القدس رمزا لعالم إسلامي ينبغي أن يستعيد مركزه الروحي والسياسي في آن واحد. فلسطين، وفق هذا المخيال، ليست فقط قضية شعب، بل اختبار لصدق الانتماء إلى الأمة.
غير أن هذه الرؤية تطرح سؤالا أعمق.. هل هذا التسييس للدين طارئ على الإسلام، أم أنه جزء من بنيته التاريخية منذ اللحظة الأولى؟
من الناحية الروحية، الإسلام دين توحيد وعبادة وتهذيب لنفس المسلم. ينظم علاقة الإنسان بربه، ويؤكد على التقوى والعدل والإحسان، ويؤسس لجماعة أخلاقية قوامها المسؤولية الفردية. لكن اللحظة التي تلت وفاة النبي كانت لحظة سياسية بامتياز؛ إذ برز سؤال السلطة قبل أي سؤال آخر: من يحكم؟ وكيف تُدار الجماعة؟ ومن هنا بدأ التداخل العضوي بين العقيدة والسياسة.
في عهد الخلفاء الراشدين، خرج الإسلام من حدوده الجغرافية الأولى عبر الفتوحات العسكرية، التي قُدمت باعتبارها نشرا للدعوة، لكنها كانت أكثر من ذلك تشكل توسعات سياسية وعسكرية. ثم في العصر الأموي، تعمق الارتباط بين الإسلام والهوية العربية، واتخذ الحكم طابعا سلاليا واضحا. أما في العصر العباسي، فقد بلغت الخلافة ذروة طابعها الإمبراطوري، حيث اندمج الدين بالسلطة في بنية واحدة، وأصبح الخليفة ظل الله في الأرض، يجمع بين الشرعية الدينية والسيادة السياسية.
هذا المسار التاريخي رسّخ صورة الإسلام كدين دولة وأمة، لا كدين فردي شخصي فحسب. ولذلك يصعب اليوم الفصل الحاد بين البعدين الروحي والسياسي، لأن كليهما متداخلان في الذاكرة الجماعية وفي التراث الفقهي والكلامي. حتى مفاهيم مثل “الجهاد”، “البيعة”، “الخلافة”، و“دار الإسلام” تشكلت في سياقات كان فيها الديني والسياسي متعانقين إلى حد يصعب معه التفكيك.
غير أن الإشكال المعاصر لا يكمن فقط في هذا الإرث، بل في كيفية استثماره. فحين يتحول الدين إلى أداة تعبئة جماهيرية، وإلى خطاب شعبوي يحشد العواطف ويمنح الصراع طابعا مطلقا، يصبح من الصعب إخضاعه للنقد أو المراجعة. إذ إن ما يُقدَّم بوصفه موقفا سياسيا قابلا للنقاش، يتحول إلى عقيدة لا تقبل المساءلة. وهنا يكمن الخطر: أن يصبح الاختلاف السياسي اختلافا في الإيمان ذاته.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن استحضار الإسلام يمنح الحركات المقاومة قوة رمزية وأخلاقية هائلة. فهو يوفر إطارا للمعنى والشرعية، ويحول التضحية إلى فعل ذي أفق أخروي، ويمنح الصمود بعدا يتجاوز الحسابات البراغماتية. لذلك فإن الدين في هذا السياق ليس مجرد أداة، بل مصدر شرعية ومعنى وهوية.
المعضلة إذن ليست في وجود البعد السياسي في الإسلام، ولا في استدعاء الدين في المجال العام، بل في غياب التمييز الواضح بين ما هو تعبدي روحي، وما هو تدبير سياسي تاريخي قابل للتغيير. فحين يُختزل الإسلام في مشروع سلطوي، يفقد روحه الأخلاقية. وحين يُحصر في الزاوية الفردية الخاصة، يُفصل عن تاريخه الحضاري والاجتماعي.
ربما المطلوب اليوم ليس إقصاء الإسلام عن السياسة، ولا تحويله إلى مجرد شعائر فردية، بل إعادة التفكير في العلاقة بينهما على أسس نقدية على الأقل، تعترف بتاريخ التداخل، دون أن تجعل منه قدرا أبديا. وأن نترك مساحة لهويتنا في المنطقة الشمالية لأفريقيا، دونما انصهار في ثقافات وهويات مشرقية، ما من شأنه أن يضعنا في سياقات سياسية ، وهذا من دافع ديني وقدسي لا يقبل التأويلات أو المراجعات، أو حتى النقد. فالإسلام، ككل دين حي، يظل قابلا لتأويلات متعددة، يمكن أن يكون أفقا روحيا مفتوحا، كما يمكن أن يتحول إلى أيديولوجيا مغلقة.
وبين هذين الحدّين، تتحدد معارك الحاضر وأسئلة المستقبل.