منتدى العمق

بين العزوف والمشاركة: لماذا فقد الشباب الإيمان بالفعل السياسي؟

لطالما كان الشباب هم القوة الضاربة في أي تحول مجتمعي، والمحرك الأساسي لقطار التنمية في مختلف دول العالم، إلا أن الملاحظ في الآونة الأخيرة هو بروز فجوة عميقة تفصل بين هذه الفئة الحيوية وبين الشأن السياسي العام.

هذا العزوف الذي نلمسه اليوم ليس مجرد حالة عابرة من اللامبالاة كما قد يفسره البعض، بل هو نتاج تراكمات معقدة جعلت من السياسة في نظر الكثير من الشباب مجالاً معزولاً لا يتقاطع مع طموحاتهم أو واقعهم المعيشي.

إن المتأمل في هذا المشهد السياسي المغربي يدرك أن الشعور بـ “اللا جدوى” قد تغلغل في وجدان الجيل الجديد، حيث بات يسود اعتقاد بأن المشاركة أو الانكفاء سيان، طالما أن الآليات التقليدية لا تنتج تغييرا ملموسا يغير من جودة الحياة أو يفتح آفاقا حقيقية للمستقبل.

وتكمن جذور هذه المعضلة في غياب الأثر الحقيقي للوعود الانتخابية والبرامج الحزبية التي غالبا ما تظل حبيسة الأوراق، مما ولد نوعا من فقدان الثقة في المؤسسات والعمليات الديمقراطية برمتها.

يضاف إلى ذلك أن الخطاب السياسي السائد لا يزال، في كثير من الأحيان، بعيدا كل البعد عن لغة العصر وهموم الشباب اليومية، فهو إما غارق في الكلاسيكية والجمود، أو يتعامل مع الشباب كأرقام انتخابية وصور تكميلية في المحافل، دون منحهم دورا محوريا في صناعة القرار. هذا التهميش، سواء كان مقصوداً أو نتاجاً لترهل بنيوي، عزز شعور الاغتراب لدى الشاب، وجعله يبحث عن ذاته وتأثيره في فضاءات بديلة بعيدا عن أروقة الأحزاب والبرلمانات.

إن تجاوز هذه الحالة من القطيعة يتطلب شجاعة سياسية لإعادة النظر في كيفية إدماج الشباب، ليس فقط من خلال الشعارات، بل عبر خلق مساحات حقيقية تسمح لهم بممارسة التأثير الفعلي. فالشباب بحاجة إلى مؤسسات تتبنى أفكارهم وتثق في قدراتهم على الابتكار والتطوير، بعيدا عن الوصاية الأبوية التقليدية.

وحين يلمس الشاب أن صوته قادر على تعديل قانون، أو تحسين خدمة، أو رسم ملامح سياسة عامة، فإن روح المبادرة ستعود إليه تلقائيا. إن بناء الثقة هو عملية تراكمية تبدأ بالاستماع وتنتهي بالتمكين، وهي الضمانة الوحيدة لتحويل طاقة الشباب من قوة معطلة أو محبطة إلى طاقة بناءة تقود المجتمع نحو آفاق أرحب.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على قدرتنا الجماعية في صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد للسياسة معناها كأداة لخدمة الصالح العام وتحقيق الأحلام الجماعية.

إن مستقبل أي وطن لا يمكن أن يشيد بمعزل عن تطلعات شبابه الذين يمثلون الذكاء والقدرة على التكيف مع تحولات العصر. فالمشاركة السياسية الفاعلة هي صمام الأمان للاستقرار والتطور، ومنح الشباب المكانة التي يستحقونها ليس منةً أو هبة، بل هو استثمار حتمي في ديمومة الدولة وحيوية المجتمع، فبهم ومعهم تُصنع التحولات الكبرى التي تنقل الأمم من الركود إلى النهضة الشاملة.