في خضم التنافس المحتدم الذي يميز السباق الدرامي الرمضاني، برز مسلسل “بنات لامنانة” كواحد من الأعمال التي استطاعت أن تحجز لنفسها موقعًا متقدمًا ضمن خارطة الإنتاجات التلفزيونية المغربية، مستندًا إلى توليفة فنية متماسكة جمعت بين جودة الكتابة، نضج الأداء التمثيلي، ووضوح الرؤية الإخراجية.
لقد شكلت خلية كتابة السيناريو حجر الأساس في هذا النجاح، إذ جاءت الحبكة الدرامية متوازنة، قادرة على ملامسة اليومي المغربي دون الوقوع في فخ التبسيط أو التكرار. الحوار كان قريبًا من نبض الشارع، لكنه في الآن ذاته حافظ على عمق دلالي يعكس تعقيدات الشخصيات وتشابك العلاقات بينها. هذا الاشتغال الواعي على النص منح للممثلين أرضية صلبة للاشتغال، وجعل من كل مشهد مساحة حقيقية للتعبير الفني.
وعلى مستوى الأداء، تألقت ثنائية نورة الصقلي وسامية أقريو بشكل لافت، حيث قدمتا نموذجًا للاحترافية والتمكن، مجسّدتين شخصيات مركبة بصدق عالٍ وقدرة كبيرة على التحكم في الانفعالات. لم يكن حضورهما مجرد حضور نجومي، بل كان عنصرًا بنيويًا في تشكيل الهوية الدرامية للعمل، إذ استطاعتا قيادة الإيقاع العام للأداء وإضفاء عمق إنساني على مختلف اللحظات.
إلى جانب ذلك، برزت مجموعة من الوجوه الجديدة، خاصة تلك القادمة من خلفيات مسرحية أو تجارب فوق الخشبة، حيث أظهرت قدرة ملحوظة على التشخيص وتقمص الأدوار. هذا الحضور يؤكد مرة أخرى أن المسرح يظل مدرسة حقيقية لتكوين الممثل، لما يوفره من أدوات تقنية وتعبيرية تسهم في بناء شخصية فنية متماسكة. فقد بدا واضحًا أن من مرّ عبر خشبة المسرح يمتلك وعيًا أكبر بالجسد، بالصوت، وبالإيقاع الداخلي للشخصية.
في المقابل، لا يمكن إغفال الحضور الباهت لبعض الوجوه الشابة التي لم تستطع مجاراة النسق العام للعمل، وهو ما يطرح بإلحاح سؤال التكوين الأكاديمي في مجال التمثيل. فالموهبة وحدها، مهما كانت، تظل غير كافية دون صقلها بالدراسة والممارسة الجادة، خصوصًا داخل فضاء المسرح الذي يمنح للممثل أدواته الأساسية ويؤسس لوعيه الفني.
أما على مستوى الإخراج، فقد تميز العمل برؤية واضحة حافظت على توازن الصورة والإيقاع، مع اشتغال ذكي على الفضاءات واللقطات، بما يخدم البناء الدرامي دون مبالغة أو استعراض. هذا الانسجام بين مختلف مكونات العمل جعل من “بنات لامنانة” تجربة متكاملة، تؤكد أن نجاح أي عمل درامي يظل رهينًا بتكامل عناصره، لا بتفوق عنصر على حساب آخر.
في المحصلة، يثبت هذا العمل أن الدراما المغربية قادرة على التطور حين تتوفر لها شروط الاشتغال الجاد، من كتابة واعية، أداء متمكن، ورؤية إخراجية منضبطة. كما يعيد التأكيد على أن الاستثمار في التكوين المسرحي يظل رهانًا أساسيًا لبناء جيل جديد من الممثلين القادرين على حمل مشعل الإبداع الدرامي في المستقبل.