في زمن لم يكن للكلمات فيه طريق معبد، كان الإنسان يشق دروبه بين المعاجم كما يشق المسافر صحراءه، متكئا على صبره وحده، مستنجدا بذاكرته، ومستنيرا بشغفه، حتى إذا عثر على اللفظة التي تشبه إحساسه، احتفى بها كما يحتفى بالنجاة.. كانت الكتابة آنذاك فعلا وجوديا، رحلة شاقة لكنها مبهجة، يتكاثف فيها الفكر، ويتجلى فيها الذوق، وتصاغ خلالها الذات في هيئة نص حي يحمل بصمة صاحبه ونفسه، فلا يشبه غيره ولا يشبهه غيره.
أما اليوم، وقد أطل الذكاء الاصطناعي بقدرته المذهلة على توليد النصوص وصياغة العبارات وتنسيق الأفكار في لحظات، فقد تبدل ميزان العلاقة بين الإنسان والكلمة؛ إذ لم تعد الكتابة مغامرة تستدعي الجهد، بل أصبحت خدمة جاهزة تستدعى عند الحاجة، حتى خيل لكثيرين أن التفكير ذاته يمكن تفويضه، وأن التعبير لم يعد مهارة تكتسب، بل نتيجة تطلب. وهكذا، أخذ الإنسان، شيئا فشيئا، يتنازل عن سلطته على اللغة والتفكير، ويسلم زمامهما لأدوات ذكية تتقن المحاكاة لكنها لا تعيش التجربة، فتكتب بلا ذاكرة، وتبدع بلا معاناة، وتدهش بلا روح.
ولم يتوقف هذا التحول عند حدود المقالات أو النصوص الإبداعية، بل تسلل إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية.. فصار منشور بسيط على مواقع التواصل يحتاج إلى وسيط، ورد عابر على رسالة أو تعليق يصاغ بمساعدة، وكأن اللغة لم تعد ملكة نحسن قيادتها، بل عبئا نتحايل عليه، الأمر الذي يطرح سؤالا مؤلما: أحقا بلغ بنا العجز حد الاستغناء عن أبسط أدوات التعبير التي كانت يوما جزءا من تكويننا الإنساني؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه كسلا مقنعا بثوب الحداثة والتيسير؟
إن الإشكال، في جوهره، لا يكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، فهو ثمرة عقل بشري مبدع، ووسيلة عظيمة لتيسير الحياة وتوسيع آفاق المعرفة وتسريع وتيرة الإنجاز، بل يكمن في طبيعة العلاقة التي ننسجها معه. علاقة إن تجاوزت حدود الاستعانة إلى حدود الاتكاء الكلي، فإنها تفضي حتما إلى ضمور القدرات، وخفوت الذاكرة، وركود الخيال. والأخطر من ذلك كله هو ما قد يطال الأجيال القادمة، التي قد تنشأ في كنف هذه الأدوات دون أن تختبر لذة البحث، ولا عناء الصياغة، ولا نشوة العثور على التعبير المناسب بعد طول معاناة، فتفقد تدريجيا مهارة التفكير العميق، ويبهت لديها فن النقاش، ويغدو الرأي مجرد إعادة إنتاج لما تقترحه الخوارزميات، لا ثمرة تأمل ذاتي أو تجربة شخصية.
من هنا، لا تبدو الدعوة إلى رفض الذكاء الاصطناعي أو الانكفاء عنه دعوة حكيمة، بل إن الرشد كل الرشد في ترسيخ وعي نقدي يضبط إيقاع هذا الاستخدام، ويبقي للإنسان مساحته الخاصة في الإبداع والتعبير.. بأن نجعل من هذه التقنية معينا لا بديلا، ورافدا لا أصلا، نستأنس بها حين تضيق السبل، لكننا لا نستغني بها عن خوض التجربة بأنفسنا، فنكتب لنخطئ، ونخطئ لنتعلم، ونتعلم لنبدع.
إن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مرآة الفكر، ووعاء الوجدان، وأداة تشكيل الوعي، فإذا فقد الإنسان قدرته على تطويعها، فقد جزءا من قدرته على فهم ذاته والعالم من حوله، وإذا استسلم لسهولة الجاهز، خسر متعة الاكتشاف وحرارة التجربة. لذلك، فإن الحفاظ على جذوة الإبداع يقتضي أن نمنح عقولنا فرصة العمل، وذاكرتنا فرصة الامتلاء، وخيالنا فرصة التحليق، حتى نظل قادرين على الإنتاج لا الاستهلاك، وعلى الابتكار لا الاكتفاء بالتكرار؛ فليست القيمة في أن نكتب بسرعة، بل في أن نكتب بصدق، وليست الغاية أن نتقن الصياغة فحسب، بل أن نحيا ما نكتب، لأن النص الذي لا يولد من معاناة صاحبه، يظل جميلا من الخارج، لكنه فارغ من الداخل، أما ذاك الذي صيغ بجهد ووعي وإحساس، فإنه، وإن بدا بسيطا، يحمل من الحياة ما يجعله أبقى أثرا وأصدق حضورا.
عبد العزيز الدريج: باحث في اللسانيات التطبيقية .