منتدى العمق

كنز مهدد بالاندثار

في عالم اليوم، الذي يغلب عليه الطابع النرجسي والسعي وراء المكاسب الفردية، يبدو أن مفهوم الإخوة والصداقة والمحبة والتسامح قد بدأ يتلاشى ويندثر. حيث أصبح الكثير منا أحادي البُعد، غايته فقط الوصول للأهداف والشهوات الدنيوية والتركيز عليها ولو على حساب الشخص الآخر، متناسيا في ذلك قيمة الوقوف بجانب أخيه وصديقه، تقديرا لروابط الدم والمودة والعلاقة الطيبة التي تجمعهما. وهذا يعد نقوس خطر وتهديد مباشر على قرب اندثار الإخوة والمحبة الصادقة والتسامح والرحمة المطلقة، الخ من الخصال الحميدة التي غالبا ما كان يطمح اليها الشخص منا اتجاه أخيه أو صديقه.

فليس هناك أجمل من وجود أخ أو أخت أو صديق في حياة الفرد، لأنهما بمثابة العضد الذي تتجمع فيه العضلات لإثبات قوة وصلابة وتماسك وتلاحم الجسم، إضافة لإرشاده والوقوف بجانبه، كما عضد الله بها رسوله ونبيه موسى بأخيه هارون مصداقا لقوله تعالى: “قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ”، هذا الأخ أو الأخت أو الصديق الذي يمكن الاعتماد والاستعانة به في شتى الأمور، ويمكن أن نشكو له همومنا وافراحنا واحزاننا ونجده أول من يفرح لفرحنا ويحزن لحزننا.

فالإخوة والصداقة الحقيقية هي نعمة من الله منَّ بها على عباده، نظراً لأهميّتهم ومكانتهم في حياتنا، فما انتابني عند كتابة هذا المقال هو الحال الذي وصلنا إليه في يومنا هذا من تقسيمات وأصناف من الأخوة والصداقة، فهل تساءلت يوما عن سبب هذه التقسيمات؟ وما قيمت الأخوة لدينا؟ وما مصير سرعة انفعالنا وخطأ تقييمنا بدفع العلاقة بيننا إلى التدهور والضياع، عند أي منعطف قد نواجه؟ هل فعلا كلما كبرنا وكبرت مصالحنا ومشاغلنا الأسرية واحلامنا ومسؤولياتنا وطموحاتنا نزداد بُعدًا عن بَعضنا البعض؟ وبالتالي يزداد شعورنا مع مرور الأيام أننا نفقد شيئًا جميلاً من مراحل طفولتنا؟ وهل لايزال حاضرا بقوة في الذاكرة والقلب مكان للأخوة والصداقة نصيب منها؟ كلها تساؤلات حقيقة يجب التمعن فيها، ولم لا إيجاد بعض المخرجات الكفيلة لإنقاذها حتى لا نفقدها نهائيا في حياتنا.

ولهذا المبتغى أحببت مشاركتكم بعض الأمثلة التي ضربها الأولين في كتاب الله المبين وحديث نبيه الشريف من خلال العديد من الملاحم التي جرت بين الإخوة إضافة الى بعض المقولات والحكم التي تطرق اليها بعض المفكرين سلفا، لا ربما قد تساعدنا على فهم هذه الإشكالية وإيجاد حلول لها مستقبلا. ومن بين هذه الأمثلة والحكم:

مقولة شاعرية للكاتبة تيري جويليمتس تقول فيها «ليس هناك حب آخر كحب الأخ لأخيه، فهو حب متبادل يدوم للأبد.” وكذلك مقولة لأرسطو يقول فيها “أعز أصدقائي، هو الذي يتمنى كل الخير من أجلي”. ومقولة وودرو ويلسون: “الأخوة هي الأسمنت الوحيد الذي سيحافظ على تماسك العالم”. وهناك مثل عامي هندي يقول «ساعد أخاك في نيل مطالبه، وستصل أنت كذلك إلى ما تتمناه.” وحكمة تعود لويس وايس يقول فيها ” الأخوة الجيدة هي الروابط التي تقوم على أساسها الحياة، وأساس التعقل في عالم مليء بالجنون. ”

وأنا أقول أن الراحة النفسية والوجدانية لا يمكن أن تكتمل لدينا الا بوجود أخ واخت أوشريك صادق وحنون. مع عدم التفريط بفقدانه ان وجد، حتى نعيش معاً سالمين سعداء و حتى لا نهلك معاً كحمقى.

هذا الشخص الذي في الحقيقة أصبحنا نفتقده اليوم مع مرور الوقت والظروف ولكثرة المشاغل والاكراهات الدخيلة على حياتنا، وكذلك بسبب الانانية والخبث والمكر الزائد والمختفي لدى البعض منا، كخبث ومكر قابيل لأخيه هابيل وقتله حسدا وحبا في الشهوة الدنيوية ودافع الجنس والمرأة الجميلة والوهم الكاذب، أو كغيرة وجهالة وكيد وظلم اخوان النبي يوسف له ورميه في البئر دون رحمة ولا شفقة، حيث كانوا سببًا في غربته عن الأهل والوطن وشقائه في طفولته البريئة.

وعلى عكس من ذلك فإننا قد نجد أمثال للأخوة الرائعة والصداقة الطيبة والشريك الحنون كقصة واخوة كليم الله موسى وأخيه هارون عليهم السلام، ذلك الأخ الصالح والشريك في الرسالة، هذه الاخوة التي يعتبرها الكل أعظم عطية من أخ لأخيه. لأنه كان اخ شقيق طيب ولين، ومؤازر ووزير معاون والساعد الكبير والنصير باللسان والمعين بالراي والبدن. أخ له الفضل في مشاركة أخيه في مهمته الجليلة جداً وهي النبوة والرسالة الربانية، ومواجهة المعاندين حتى النهاية. رغم الفراق الطويل الذي عاشاه الاثنين عند الطفولة.

وكذلك تلك العلاقة الأخوية الممثلة في الأخ الذي لم تلده لك أمك أو ابوك كعلاقة سيد الخلق محمد ﷺ بصديقه ورفيق دربه في الهجرة والصحبة الطيبة، ناصر ومصدق وحامي ونافع صديقه النبي ﷺ في كل امر ونافعه وبكل عطاء وسخاء بماله ، إنه ابو بكر الملقب بالصديق رضي الله عنه. تلك الصداقة التي يتجلى مغزى حبها عندما وصل رسول الله ﷺ وصديقة أبو بكر إلى غار ثور، فيدخل أبو بكر إلى الغار قبل الرسول ﷺ ليتأكد من خلوه من أي خطر على حياة الرسول ﷺ، وبعد أن يغلق جميع الثقوب في الغار بعد تمزيق ملابسه، يدخل الرسول ﷺ ويسأل صاحبه: ما مزق ثيابك يا أبا بكر؟ ويقول: أخاف أن يصيبك شيء يا رسول الله وأنا معك وانت أحب الناس الى قلبي. وينام الرسول ﷺ في حجر أبو بكر وبينما هو نائم، فيلمح أبو بكر ثقب لم يره سابقا، فيغلقه برجله فيلدغه عقرب أثناء نوم الرسول ﷺ في حجره، فيصبر على الألم وشدته. فتنزل دموعه وتسيل على النبي ﷺ وهو نائم، فيستيقظ الرسول ﷺ بذلك ويسأل صاحبه: ما بالك يا أبا بكر؟ فيرد أبو بكر: لدغتني عقرب يا رسول الله، فداك أبي وأمي، فما كان من النبي ﷺ الا ان يعانقه بكل بشدة وحب ويواسيه ويعجل بمعالجته والدعاء له بالشفاء العاجل، فنفث النبي ﷺ بفمه مكان اللدغة ومسحها، فشفي أبوبكر والحمد لله.

فرحم الله إنسانًا كتم او تغاضى على كلمة سيئة مقصودة أو غير مقصودة، لأخيه ورفيق دربه، على أسلوب لم يكن في محله.. فكم من كلماتٍ ومجادلات ونقاشات ساخنة كانت سببًا في هجر وجفاء وفراق بين الإخوة والأصدقاء او حتى المجتمعات…! ورحم الله نفساً صفحت أخطاء الآخرين ولو على حقها، حُباً للعفو وحفظا للمودة والعلاقة الجميلة، وطيٌ صفحة الماضي.
فهل نعي نحن اليوم هذا الدرس، ونتغاضى عن هفوات بَعضنا البعض. من أجل الدم والود الذي يجمعنا؟ أم أننا سنفتح باباً للشيطان حتى لأتفه المواقف لكي يستغلها ويوقع من خلالها بيننا؟! كما وقع بين أبناء ادم الشقيقين هابيل وقابيل.

ولهذا يجب علينا أن نستلهم من هذه الحكايات كل المعاني والدروس الراقية، ولنجعل من الحكمة رفيقة تعاملنا في الحياة، ومن الأخوة والصداقة الطيبة أساس علاقاتنا، حتى نبني بيوتًا يسكنها الود، ومجتمعات تزدهر بالمحبة والرقي. ولنتفرغ لمعالي الأمور واسماها، ولنحفظ قلوبنا من كل ما يعكر صفوها، فننجو من شرور الحسد والبغضاء، ونعيش إخوةً متحابين، حتى لا نغرق في الفرقة كما يغرق الحمقى في خلافاتهم ويصيبنا اما صاب قابيل لهابيل.