تجدد النقاش في المغرب حول مسألة الساعة القانونية، في سياق يتسم بتنامي الوعي المجتمعي بأثر السياسات العمومية على الحياة اليومية للمواطنين. فمنذ اعتماد إضافة ساعة بشكل دائم، عبّر جزء واسع من المغاربة عن رفضهم لهذا القرار، معتبرين أنه ينعكس سلبًا على توازنهم النفسي والصحي، وعلى السير العادي للحياة الأسرية والمهنية، خاصة بالنسبة للتلاميذ والموظفين.
وقد تجلى هذا الرفض في أشكال متعددة من التعبير المدني، أبرزها إطلاق عريضة إلكترونية تطالب بالعودة إلى الساعة القانونية للمملكة. وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلاً لافتًا، عكس حجم الانخراط الشعبي في هذا الموضوع، وأكد أن القضية لم تعد مجرد نقاش تقني، بل تحولت إلى مطلب مجتمعي ذي أبعاد حقوقية واجتماعية.
غير أن اللافت في هذا السياق، هو غياب تبنٍّ واضح من طرف الأحزاب السياسية لهذا المطلب الشعبي، رغم ما يبدو أنه شبه إجماع حوله. فباستثناء بعض المواقف الفردية، لم نشهد مبادرات حزبية قوية تدافع عن هذا الخيار أو تسعى إلى تحويله إلى قضية سياسية داخل المؤسسات التمثيلية. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى استقلالية القرار الحزبي، وحدود تفاعله مع انتظارات المواطنين.
إن وظيفة الأحزاب السياسية، في جوهرها، هي تأطير المواطنين، والتعبير عن قضاياهم، والدفاع عن مصالحهم داخل الفضاء العمومي والمؤسساتي. وعندما تعجز هذه الأحزاب عن التقاط مطالب مجتمعية واضحة، أو تتردد في تبنيها، فإنها تخاطر بتعميق فجوة الثقة بينها وبين المواطنين. ذلك أن الثقة السياسية لا تُبنى فقط عبر الخطابات والبرامج، بل من خلال القدرة على التفاعل الحقيقي مع القضايا اليومية التي تهم الناس.
ويزداد هذا الإشكال حدة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، حيث يفترض أن تسعى الأحزاب إلى كسب ثقة الناخبين من خلال تقديم بدائل وبرامج تستجيب لتطلعاتهم. لكن كيف يمكن إقناع المواطنين بجدية هذه البرامج، إذا كانت نفس الأحزاب غير قادرة على الدفاع عن مطلب بسيط وواضح يحظى بتأييد واسع؟ وكيف يمكن الحديث عن تمثيلية حقيقية، إذا كان الصوت الشعبي لا يجد صداه داخل الهياكل الحزبية؟
إن مسألة الساعة القانونية تكشف، في عمقها، عن إشكالية أكبر تتعلق بطبيعة العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وبمدى استقلالية القرار الحزبي. فالحزب الذي لا يستند إلى قاعدة مجتمعية حقيقية، ولا يعبر بجرأة عن إرادة ناخبيه، يظل عرضة لفقدان المصداقية، ويكرس صورة سلبية عن العمل السياسي ككل.
من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة بناء جسور الثقة بين المواطنين والأحزاب، عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، وتوسيع آليات الإنصات والتفاعل، والقطع مع منطق التردد أو الاصطفاف غير المبرر. كما أن هذه اللحظة تفرض على الأحزاب أن تعيد التفكير في أدوارها، وأن تنتقل من مجرد فاعل انتخابي إلى قوة اقتراحية حقيقية، قادرة على الدفاع عن القضايا المجتمعية بكل مسؤولية.
في النهاية، قد تبدو مسألة الساعة القانونية بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها دلالات عميقة حول طبيعة التمثيل السياسي في المغرب، وحدود الثقة بين الدولة والمجتمع. وهي فرصة حقيقية للأحزاب لتثبت قدرتها على الإصغاء والتفاعل، أو لتؤكد، مرة أخرى، حجم المسافة التي تفصلها عن نبض الشارع.