وجهة نظر

عندما تخسر الكأس وتربح إفريقيا: المغرب والسنغال فوق كل حساب.

تعد العلاقات بين المغرب والسنغال نموذجا متقدما في التعاون الإفريقي، حيث تمتد جذورها عبر التاريخ وتشمل أبعادا دينية وثقافية وسياسية عميقة. وقد حافظ البلدان على روابط أخوة صادقة قائمة على الاحترام المتبادل والتنسيق المستمر في القضايا الإقليمية والدولية، مما يجعل هذه العلاقة رصيدا استراتيجيا لا ينبغي التفريط فيه لأي سبب كان.

غير أن ما أعقب نهائي كأس إفريقيا وما رافقه من توترات قانونية ورياضية خلق حالة من الاحتقان غير المسبوق، وأخرج الملف من إطاره الرياضي إلى أبعاد سياسية وإعلامية حساسة. ورغم التزام المغرب بضبط النفس واحترام المؤسسات القانونية، فإن تصاعد التصريحات من الجانب السنغالي ساهم في تعقيد المشهد وأثار مخاوف بشأن مستقبل العلاقات الثنائية.

وقد زاد من حدة هذا الاحتقان ما أقدم عليه الجانب السنغالي من احتفال مستفز بالأمس في باريس بكأس إفريقيا، في تحد واضح للهيئات الكروية والقرارات القضائية الصادرة في هذا الملف، وهو ما عمق الشعور بالاستياء لدى الرأي العام المغربي. غير أن مثل هذه التصرفات، رغم رمزيتها، لا يجب أن تدفعنا إلى ردود فعل متسرعة قد تخدم أجندات أخرى تسعى إلى تأزيم الوضع.

وفي خضم هذا التوتر، لا يمكن إغفال الأدوار الخفية لبعض الأطراف التي تسعى إلى تعكير صفو هذه العلاقة التاريخية، وعلى رأسها الجزائر وجنوب إفريقيا ….، حيث تعمل هذه الدول، كل وفق حساباته، على استغلال أي خلاف لزرع الشك وإضعاف الثقة بين الرباط ودكار، خدمة لأجندات إقليمية لا تخفى على أحد.

من هذا المنطلق، فإن الحكمة تقتضي التعقل وتفويت الفرصة على الخصوم، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات أو الوقوع في فخ التصعيد، بل اعتماد مقاربة هادئة قائمة على الحوار والتبصر الاستراتيجي. فالمغرب، بحكم تاريخه ومكانته، لطالما رجح كفة الاستقرار والعلاقات طويلة الأمد على حساب المكاسب الظرفية، وهذا ما يجب أن يستمر.

إن الحفاظ على العلاقات مع السنغال ليس خيارا عاطفيا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بملفات كبرى، من بينها أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، الذي يشكل مشروعا إقليميا واعدا يربط غرب إفريقيا بأوروبا عبر المغرب، إضافة إلى التنسيق في القضايا الإفريقية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، فضلا عن تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والدينية بين البلدين.

وفي هذا السياق، يمكن استحضار المثل الشعبي القائل: “إلى مشات كاس يجو كيسان أوخرين”، أي أن ضياع كأس اليوم لا يعني نهاية الفرص، فهناك دائما فرص أخرى للتتويج، أما خسارة الحلفاء فتبقى آثارها أعمق وأطول. هذا يعكس منطق الدولة التي تفكر بعقلانية وبعد نظر، لا بردود فعل آنية.

كما أن المرحلة تقتضي من المسؤولين، وفي مقدمتهم فوزي لقجع، اعتماد براغماتية واضحة توازن بين الدفاع عن الحقوق واحترام المصالح العليا للدولة. فالتشدد القانوني الأعمى قد يؤدي إلى نتائج عكسية تمس جوهر العلاقات الاستراتيجية التي بناها المغرب عبر عقود.

وفي الأخير، فإن الدعوة اليوم موجهة إلى التهدئة وضبط النفس وتطبيق روح القانون، وفتح قنوات الحوار مع الأشقاء في السنغال سياسيا ورياضيا، والعمل على تجاوز هذه الأزمة بروح المسؤولية. فالمملكة المغربية، كما عهدناها، دولة حكمة وتبصر، تدرك أن خطوة إلى الوراء أحيانا قد تعني خطوتين إلى الأمام، وأن الحفاظ على “كأس العلاقات” مع دولة السنغال الشقيقة أهم بكثير من أي كأس أخرى عابرة.

تعليقات الزوار