منتدى العمق

حين تُباع الوعود و تُشترى الأصوات

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ • كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
مع كل محطة انتخابية، يتجدد المشهد نفسه: خطابات حماسية، تجمعات صاخبة، وبرامج حزبية تبدو وكأنها مفاتيح سحرية لحل كل أزمات المجتمع. وفجأة يصبح التشغيل في متناول الجميع، والتنمية على مرمى خطوة، والتعليم والصحة على موعد مع إصلاحات عميقة, غير أن ما يحدث بعد انطفاء أضواء الحملات الانتخابية غالباً ما يختلف كثيراً عما قيل قبلها.

فالبرامج الحزبية، التي يفترض أن تكون خريطة طريق واضحة للعمل السياسي، تتحول في كثير من الأحيان إلى وثائق دعائية بدل أن تكون خططاً واقعية. كلمات رنانة، وأرقام جذابة، ووعود تُصاغ بعناية، وأحياناً بهندسة مكاتب دراسات، لتخاطب تطلعات المواطنين وتؤثر في اختياراتهم.

وغالباً ما يتعامل الفاعل السياسي مع البرامج الانتخابية بمنطق التسويق أكثر من منطق الالتزام. فبدل أن تكون هذه البرامج ثمرة دراسات معمقة للواقع الاقتصادي والاجتماعي، تتحول أحياناً إلى سباق في رفع سقف الوعود. وكلما ارتفعت التوقعات، اشتدت المنافسة الخطابية، حتى يجد المواطن نفسه في سوق سياسية تعج بالشعارات، لكنها تفتقر إلى حلول واقعية وبرامج قابلة للإنجاز وجني الثمرات.

ومع تكرار هذه التجربة عبر الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، يتسلل إلى جزء من الرأي العام شعور متزايد بالارتياب. فبعض الوعود يتبخر مفعولها بعد الانتخابات، وبعضها الآخر يتراجع أمام صعوبات الواقع، بينما يبقى المواطن ينتظر نتائج ملموسة قد تتأخر، أو لا تأتي بالوتيرة التي بُشِّر بها.

ولا يرتبط الأمر دائماً بسوء النية بقدر ما يرتبط أحياناً بضعف ثقافة المحاسبة السياسية. ففي غياب حصيلة شفافة وتقييم جدي للبرامج بعد انتهاء الولايات الانتخابية، وفي ظل محدودية النقاش العمومي حول مدى تنفيذ الالتزامات، تتسع الفجوة بين الخطاب الانتخابي والواقع السياسي. والنتيجة حالة من عدم الرضا والعزوف، يتراجع معها منسوب الثقة، وتتحول السياسة في نظر البعض إلى فضاء للوعود لا مجالاً للإنجاز.

ومع ذلك، لا ينبغي اختزال العمل الحزبي كله في هذه الصورة القاتمة. فالديمقراطية في جوهرها تقوم على البرامج والاختيارات، وعلى حق المواطن في المقارنة والمساءلة. غير أن ذلك يقتضي من الأحزاب الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق التخطيط الواقعي، ومن خطاب الإغراء الانتخابي إلى خطاب المسؤولية والشفافية والوضوح.

فالبرامج الحزبية ليست مجرد أوراق تُعرض في موسم الانتخابات، بل هي تعاقد سياسي وأخلاقي مع المواطنين. وكلما كانت هذه البرامج واضحة، قابلة للقياس، ومسنودة بآليات تنفيذ دقيقة، كلما تعززت الثقة في العمل السياسي.

وبين الحلم الذي يُرفع في الحملات الانتخابية، والواقع الذي يعيشه المواطن بعد ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً:
متى تتحول الوعود الانتخابية من شعارات تُقال، إلى تعاقد سياسي صادق يُترجم في حياة الناس أفعالاً لا أقوال ؟