كنزة لعليليس
منتدى العمق

بين الهدر والتدبير: كيف يدير المغاربة غذاءهم في المدن والقرى

في وقت يعيش فيه المواطن المغربي ضغطًا، بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وكلفة المعيشة نتيجة متغيرات دولية متسارعة، تكشف أحدث البيانات عن واقع مفارقة لا تقل خطورة عن الغلاء نفسه: المغرب يهدر كميات هائلة من الغذاء سنويًا.

أرقام صادمة عن الهدر الغذائي

أفاد تقرير صادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن الأسر المغربية قامت برمي 40 مليون قطعة خبز و4.2 طن من المواد الغدائية.
هدر الغذاء في المغرب لا يقتصر على نهاية السلسلة الاستهلاكية فحسب؛ بل يمتد عبر سلسلة القيمة الغذائية من الإنتاج والحصاد إلى التخزين والنقل، حيث تصل نسب الضياع في بعض السلاسل (الفواكه، الخضر، الحبوب) ما بين 20و 40٪ قبل أن تصل إلى المستهلك.

ثقافة الاستهلاك في المدن تلتهم الموارد:

يُظهر سلوك سكان المدن ارتفاعًا ملحوظًا في استهلاك الغذاء ورميه قبل استهلاكه والاتجاه نحو الشراء المفرط والاعتماد على الأطعمة الجاهزة، التي غالبًا ما تُرمى قبل نهايتها وكذلك انتشار ثقافة الاستهلاك التي تعتبر الاستهلاك علامة على الرفاهية، حتى إذا كانت على حساب الموارد المحدودة و ضعف التخطيط الغذائي بسبب وتيرة الحياة السريعة والتشتت، ما يؤدي إلى فساد المواد قبل استهلاكها.
هذه العوامل تؤدي إلى استمرار نزيف الغذاء وسط مجتمع يعاني من ضغوط اقتصادية حادة، رغم أن كلفة كل كيلوغرام تعتبر باهظة للمستهلك.

التدبير المنزلي في القرى قيمة اجتماعية:

على العكس من المدن، تبدو القرى المغربية أكثر احتفاظًا بعادات وتقاليد تدبير الغذاء بعناية:
* الاعتماد على الإنتاج المحلي والمنزلي يقلل من شراء الغذاء بكميات كبيرة.
* إعادة توظيف بقايا الطعام بدل التخلص منها، إذ تُستخدم غالبًا لإطعام الماشية أو الدواجن، ما يجعل الهدر الغذائي شبه منعدم في كثير من الحالات
* تُعد القيم الثقافية والاجتماعية في القرى رمي الطعام (النعمة) سلوكًا مرفوضًا دينيا، ولا يتماشى مع تقدير الجهد المبذول في الإنتاج والحصاد.

النتائج الاجتماعية والاقتصادية

هذه الصورة المتناقضة بين الحضر والقرى تفرض قراءة عميقة:
*في المدن، الهدر يزداد رغم الغلاء، ما يعكس اختلالات في الثقافة الاستهلاكية وغياب التخطيط الغذائي.
*في القرى، إعادة تدوير المواد الغدائية يقلل من الهدر ويبرز قدرة المجتمعات على التكيف مع محدودية الموارد.
الأرقام الصادمة تجعل من الهدر الغذائي في المغرب أكثر من مجرد مشكلة بيئية أو اجتماعية: إنها نزيف اقتصادي يكلف البلاد مليارات الدراهم سنويًا، ويعمّق فجوة الأمن الغذائي.

لمواجهة هذا التناقض العميق، لا يكفي التذكير بالواجبات الفردية وحدها؛ بل يجب أن يكون هناك:

* إطار قانوني وسياسات عمومية واضحة لمكافحة الهدر الغذائي، تشمل تشريعات وتشجيع لقبول التبرع بالمواد الصالحة قبل انتهاء صلاحيتها.
*إ طلاق حملات وطنية للتوعية تستهدف تغيير ثقافة الاستهلاك في المدن، مع تشجيع التخطيط الغذائي السليم.
* دعم تحسين النقل والتخزين في المناطق القروية لحماية الإنتاج المحلي من الضياع في المراحل المبكرة من السلسلة الغذائية.
في مواجهة هذه المعضلة، يصبح التحول إلى ثقافة استهلاك واعٍ أمرًا لا يحتمل التأجيل، وإلا سيظل غذاؤنا رغم غلاءه يُهدر، على حساب موارد الوطن ومستقبل أجياله.

تعليقات الزوار