في الصحراء، يضع غالبية السكان والصحراويين عموما ولاءهم للملك والبيعة الشرعية في المرتبة الأولى، قبل أي انتماء حزبي أو وطني. غير أن هذا الولاء الراسخ لا يكفي وحده لضمان استقرار الأقاليم الصحراوية، إذ يظل المشهد السياسي والإداري معقدًا، ولا يضمن أي مسؤول بمفرده الحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
في المقابل، يشهد بعض الوسط الصحراوي تغلغلًا للحس الانفصالي، يُعزى بالأساس إلى رد فعل غاضب على سياسات تقوية وتمكين بعض الرموز المحلية دون غيرها. ويزيد من حدة الاحتقان ما تمارسه فئات مستفيدة من النزاع من أشكال ابتزاز حول القضية، بما يعمّق شعور التهميش لدى باقي شرائح المجتمع.
وتبرز الدولة المغربية، وفق هذه المعطيات، في موقع من يُلَى ذراعها عبر فرض من يستحق الاستفادة ومن يجب أن يُقصى، في مشهد تتحكم فيه الولاءات الحزبية ليس فقط سياسيًا، بل إداريًا واقتصاديًا أيضًا.
ويستمر ما يُوصف بـ“تجار مشكل الصحراء” في ممارسة الضغط على الدولة في البر والبحر، في السياسة والاقتصاد، في أوقات الشدة كما في الرخاء. وتنجح برامج التنمية في الصحراء عندما تخدم مصالح هذه الفئة، لكنها تفشل عندما تتعارض معها.
وتكشف المعطيات عن وجود من يتحكم في رخص الصيد ويمنع توسيعها، ومن يعرقل توسيع رخص استيراد الإبل بل ويهدد المسؤولين، إلى جانب نفوذ واضح في قطاع العقار. كما يوجد من ينصّب نفسه صاحب القرار والفصل في كل شيء، إلى حد تهديد الدولة نفسها.
ويذهب البعض إلى تقديم نفسه كـ“صمام أمان” لوجود الإدارة المغربية في الصحراء، في حين يمتد نفوذه إلى التحكم في من يُعيَّن ومن يُعفى، ومن يكون مسؤولًا ترابيًا أو إداريًا، ومن يُدعم ومن يُهمش.
هذا الوضع يساهم، بحسب نفس الطرح، في تشدد الطرف الداعي للانفصال، الذي يرى أنه لا مستقبل له في أي حل داخل الأقاليم الصحراوية. في المقابل، ترفض الفئة المستفيدة أي مزاحمة، إلى درجة شحن الأجواء ضد العودة وعرقلة نحو 32 ألف ملف طلب عودة مودع لدى القنصلية المغربية في نواذيبو.
كما يمتد هذا التحكم إلى المجال الجمعوي، حيث يتم تهميش الجمعيات غير المتحزبة، ورفض أي إطار لا يخضع لنفوذ هذه الجهات، ما يفرغ العمل المدني من استقلاليته.
في ضوء كل ذلك، تبقى الدولة المسؤول الأول والأخير عن هذا الوضع، ما يطرح سؤالًا ملحًا: هل تراجع الدولة أوراقها قبل فوات الأوان؟