وجهة نظر

جدوى القانون الدولي في العصر الأمريكي

في ظل تنامي التجاوزات الأمريكية والإسرائيلية، كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن جدوى القانون الدولي وأهميته كإطار ناظم للعلاقات الدولية، فهل بتنا حقاً في عالم تسوده الفوضى، لا مكان فيه لقواعد القانون الدولي؟

كان لغزو أوكرانيا، وأحداث غزة الدامية دور بارز في تكريس قتامة الصورة لواقع نظام عالمي يترنح تحت وطأة استعراض القوة. وما بين التباهي باختطاف رئيس دولة فنزويلا من منزله وبين الاندفاع نحو مغامرة عسكرية جديدة في منطقة الشرق الأوسط، المشتعلة أصلاً، تبرز مخاوف حقيقية من التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة على المنطقة، وعلى العالم بأسره.

ومع ذلك، تنبغي الإشارة منذ البداية إلى أن هذه الخروقات ليست طارئة على تاريخ العلاقات الدولية، ولا تدعو إلى الدهشة والاستغراب، فمتى خلت العلاقات الدولية من الصراعات؟ 

لقد لازمت ظاهرة الحرب البشرية منذ فجرها الأول. ولم تمر أي حقبة من الزمن دون تفجر أزمة أو نشوب نزاع مسلح هنا أو هناك، فما يستدعي الدهشة والتفسير هو غياب الحرب وليس وجدودها. وحتى لا نغوص كثيراً في تاريخ الصراعات والحروب، يكفي استحضار القرن الماضي الذي شهد حربين عالميتين، وتفجير قنبلتين نوويتين، فضلا عن عقود من الاستعمار والتنكيل بالشعوب المحتلة. إن ما نشهده اليوم في فلسطين طال شعوب ثلاث قارات (أمريكا اللاتينية، إفريقيا وآسيا)، التي لم تكتف بدفع ضريبة الاستعمار، بل تحولت ساحتها بعد الاستقلال إلى مسارح لحروب أهلية طاحنة بين أبناء البلد الواحد، وكأن الصراع سمة جينية متأصلة في الطبيعة البشرية. 

كما يمكن أن نستحضر في هذا السياق مآسي فيتنام، وكوريا بشطريها الشمالي والجنوبي، ويوغسلافيا السابقة ورواندا، والعدوان على أفغانستان والعراق، وسياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، وقبلهم حروب العرب وإسرائيل (1948، 1967، 1973)، وما أعقبها من حروب مذهبية وفتن طائفية لا تزال تمزق أوصال الشرق الأوسط.

بالتأكيد فلا يمكن لأي منطق سوي أن يبرر هذه الخروقات الفجّة، ولا يمكن لأحد إنكار ازدواجية المعايير التي تحكم النظام الدولي الراهن، ولا تلك الفجوة السحيقة بين النص والممارسة. وحده منطق القوة يمكن أن يفسر لنا ما نشهده اليوم من إنكار للقانون الدولي، وعجز مؤسسات “المجتمع الدولي” عن التصدي لهذه الانتهاكات. فهل من جوانب مضيئة وسط هذه العتمة؟ وهل من ميكانيزمات لهذا القانون تعمل في صمت بعيدا عن ضجيج المدافع وعجز الدبلوماسية؟

إن ما يحدث اليوم ينتهك أهم مبادئ القانون الدولي، ولكن ليس كل المبادئ. فللقانون الدولي وظائف أخرى “غير مرئية” لا تقل أهمية، فوجود القانون الدولي هو الذي منع نتنياهو ومعظم المسؤولين الإسرائيليين من زيارة دول غربية تصنف كحليفة لإسرائيل خوفا من تفعيل مذكرة الاعتقال بحقهم، ولولا القانون الدولي لما اضطر بوتين للمشاركة عبر تقنية الفيديو في قمة “البريكس”، في جنوب إفريقيا، ولولا الاتفاقيات الدولية لما استطاعت السفن التجارية محملة بثمانين في المائة من التجارة العالمية الإبحار بسلام في قلب المحيطات والبحار. ولولا قواعد منظمة الطيران المدني الدولي لما استطاعت طائرة مغربية –على سبيل المثال- من قطع آلاف الأميال للهبوط في مطار يقع على أطراف الكرة الأرضية دون تعرضها للاعتداء.

 إن وجود القانون الدولي هو الذي يضمن أمن وحدود معظم دول المعمورة، وهو المظلة القانونية التي تُمَكّن الدول من بسط سيادتها وتدبير مواردها الطاقية والسمكية في مناطقها الاقتصادية الخالصة، على امتداد 200 ميل بحري وأكثر في أعماق البحار والمحيطات. كما يشكل القانون الدولي-رغم تعثره- القيد الذي يحاصر قادة الأنظمة المستبدة، الذي يحول دون تماديهم في الفتك بشعوبهم.

وإذا أردنا أن نستدل على “غياب” القانون الدولي من خلال رصد مظاهر خرقه، فقد نقع في مغالطة منطقية تدفعنا إلى إعلان غياب القانون على المستوى الوطني أيضاً؛ فقياسا على هذا المنطق، يمكننا القول إنه لا وجود للقانون الإداري في ظل العبث الذي تشهده بعض مجالس تدبير الجماعات الترابية، والإدارات العمومية، ولا قيمة للقوانين المُنظّمة للحقوق الاجتماعية أمام الفشل الذي يعتري المنظومتين التعليمية والصحية. بل أكثر من ذلك سيبدو القانون الانتخابي بلا معنى حين يسمح لأحزاب تفتقد للبوصلة السياسية والشرعية الشعبية بالوصول إلى السلطة، ويُتيح لأشخاص انتهازيين تدبير قطاعات حيوية داخل الدولة، ولا جدوى لوجود مجلس المنافسة في ظل تغول الاحتكارات الذي أضحت بارزةً في كل مناحي الحياة الاقتصادية. وحتى القانون الجنائي سيفقد صلابته في ظل تفشي مظاهر البلطجة داخل الأحياء الشعبية…إلخ، لكن الحقيقة هي أن وجود هذه الانتهاكات لا يعني انعدام القانون، بل يُظهر الحاجة إليه، وهو لا ينفي القاعدة بل يؤكد وجوها.

إن إخفاق القانون الدولي في لجم الصراعات والحروب، وقصور القانون- بشكل العام- عن تقويم الاختلالات الذي تطبع الحياة السياسية والاقتصادية، لا ينبغي أن يحجب عنا تلك الجوانب الإيجابية، والمكاسب الحضارية التي لم يكن بإمكان الإنسان في عصور سابقة أن يتمتع بها. فالقانون، شئنا أم أبينا، هو الذي يُنظم تدفقات الحياة التي لا نرصدها إلا إذا تعطّلت، وهو الضامن لاستمرار وتطور الحضارة ومنع انزلاقها نحو البدائية. 

تعليقات الزوار