المقاصد: أفق تحريري لا منظومة ضبط
إنّ المقاصد في أصلها ليست مجرد قواعد لحفظ الضروريات، بل هي رؤية شاملة تروم تحرير الإنسان وصيانة كرامته واستعادة فاعليته في العمران. غير أنّ تجميدها في صيغتها الساكنة — كما وقع في كثير من التجارب الفقهية — حوّلها من أفق تأويلي واسع إلى منظومة أحكام جزئية، ومن أدوات لتحرير الإنسان إلى آليات لضبطه.
ولم يتجلَّ هذا الاختزال فقط في ردّ المقاصد إلى قائمة مغلقة من الضروريات، بل أيضًا في حصر كل مقصد في أمثلة فقهية محدودة: فاختُزل حفظ العقل في منع المسكرات، وحُصر حفظ النفس في منع القتل، وقُيّد حفظ المال بمنع السرقة. بينما جوهر المقاصد أعمق من ذلك بكثير؛ إذ إنّ غايتها صيانة الإنسان من كل ما يهدد حياته ووعيه وكرامته وقدرته على الفعل في المجتمع. فحفظ العقل يقتضي حماية شروط الوعي والمعرفة، وحفظ النفس يشمل صيانة الكرامة الإنسانية لا مجرد سلامة البدن، وحفظ المال يتجاوز منع الاعتداء عليه إلى ضمان عدالة توزيعه وصيانة مقومات العيش الكريم.
وحين نعيد المقاصد إلى معناها الأصلي، نكتشف أنها ليست لحفظ الإنسان من الخارج، بل لتحريره من الداخل. فالمقاصد — في جوهرها — مشروع لتحرير الوعي لا لتقييده، ولإطلاق الفاعلية لا لتدجينها.
بيد أنّ هذا التحرير لا يعني الانفلات؛ وهنا تكمن الازدواجية الخلّاقة في المقاصد ذاتها. فثمة ضبطٌ ضروري تنتظم به المجتمعات ليُمكّن الإنسان لا ليكبله؛ ضبطٌ يشبه قوانين المرور التي تتيح للجميع حرية الحركة دون اصطدام، لا أسوار السجن التي تحول دون الخروج. فالمقاصد في جوهرها تحمل هذه الثنائية: ضبطٌ يُحرِّر، وتحررٌ لا يتحقق إلا بضبط. والإشكال إذن ليس في الضبط ذاته، بل في غايته: أهو لتمكين الإنسان أم لتدجينه؟
وهنا يبدأ الانتقال الطبيعي نحو سؤال آخر: إذا كانت المقاصد تُصان بها فاعلية الإنسان، فكيف يُعاد تشكيل هذا الإنسان نفسه ليصبح قابلًا للانقياد؟
من المقاصد إلى سيكولوجية الجماهير: كيف يُصنع القطيع؟
لقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من ظاهرتَي «الغثائية» و«الإمَّعة»؛ وهما وصفان نجدهما في حديثَين متمايزَين: أما الغثائية فأشار إليها الحديث المروي عن ثوبان رضي الله عنه في سنن أبي داود، حيث وصف النبيُّ صلى الله عليه وسلم حال أمة تكثر عدداً وتضعف تأثيراً كـ”غثاء السيل”. وأما الإمَّعة فقد جاء تحذيره صلى الله عليه وسلم منها في حديث حذيفة رضي الله عنه: “لا تكونوا إمَّعةً”. وكلا الوصفَين ليس مجرد حكم أخلاقي، بل تشخيص مبكر لآليات التلاعب بالوعي الجمعي: كيف يتحول الجمهور إلى كتلة منفعلة يسهل توجيهها، وكيف يذوب الفرد في الجماعة حتى يفقد قدرته على السؤال والتمييز.
وهذا ما تناوله غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير” (1895)، حيث رصد كيف تمتلك الجماعة قوة هائلة لكنها قوة بلا وعي فردي، تتحرك بالعاطفة لا بالعقل، وبالانفعال لا بالتحليل. وقد ظلت أطروحاته مؤثرة في علم النفس الاجتماعي، وإن كان لا بد من تأطيرها نقدياً؛ إذ يعكس لوبون نزعة نخبوية تميل إلى الريبة من الجماهير بوصفها كتلة غير عقلانية بطبعها، في حين أن الجماعات البشرية قادرة في سياقات كثيرة على الفعل العقلاني والمقاومة الواعية. ومع ذلك، تبقى آليات التلاعب التي رصدها أداةً تحليلية نافعة، شريطة ألا تُحوَّل إلى حكم مطلق على طبيعة الجماهير.
وفي سياق الإسلام الحركي، يتجلى خطر هذه الآليات حين يتحول الجمهور إلى مادة خام للتجييش، تُشكَّل قابليته للانقياد ويُعاد تصنيع وعيه ليكون أداةً للطاعة لا أداةً للاستبصار. وهكذا يتحول التدين من قوة للتحرير إلى آلية لإنتاج الامتثال.
لكن هذا الواقع لا يُصنع صدفة. إنه يتغذى من مسارين متوازيين يُعزز أحدهما الآخر:
أولاً، خطاب ديني تدجيني: إما مغرض تحكمه الأيديولوجيا، وإما سطحي قائم على النقل الحرفي الجامد؛ كلاهما يُقدّس الأشخاص بدل الأفكار، ويُحوّل الطاعة من وسيلة إلى هوية.
ثانياً، تجميد المقاصد: حين تُختزل الضروريات الخمس في أحكام محدودة وتُفصل عن غاياتها التحريرية، تتحول من أدوات فقه الإنسان إلى ديكور يُضفي شرعية على الانقياد.
والمفارقة هنا عميقة: المقاصد التي وُضعت لتحرير الإنسان أصبحت — حين جُمّدت — جزءًا من آليات تدجينه. وهذا لا يكفي وصفه، بل يستدعي فهم الآلية: المقاصد المجمّدة تُنتج وعياً يرى في الامتثال للنص الجزئي فضيلةً في ذاتها، لا وسيلةً لغاية أسمى. وحين يُصادر هذا الوعيُ المحدودُ السؤالَ ويُحوّل الطاعة إلى هوية، يُهيئ التربة لاستيعاب أي خطاب تدجيني يرتدي ثوب الدين.
من الجماهير إلى المقاصد: استعادة الفاعلية
عند هذه النقطة يصبح الرجوع إلى المقاصد ضرورة وجودية لا محيد عنها. لكن العودة ليست إلى المقاصد كما جُمّدت، بل إلى المقاصد كما أُريدت: أفقاً تأويلياً يُحرر الفقه من جموده ويُعيد الإنسان إلى مركزه.
غير أنّ استعادة المقاصد وحدها لا تكفي ما لم تُرافقها ثورة في مناهج القراءة ذاتها. فمن يقرأ الوحي قراءة حرفية جامدة — حتى لو كان ثائراً في وجه السلطة — سيظل أسير العقلية التقييدية التي يرفضها. المشكلة إذاً منهجية قبل أن تكون سياسية؛ إنها أزمة تأويل في جوهرها، لا مجرد صراع على السلطة. ومن ثَمَّ، فإن استعادة المقاصد الحقيقية تمر عبر ثلاثة مسارات متشابكة:
فحفظ العقل — بمعناه الحق — يعني تحريره من التضليل الإعلامي والوعي المُعلَّب، وحمايةَ الفضاء العام بما يُتيح للجميع حرية التفكير الحقيقي.
وحفظ النفس يعني صيانة الكرامة الإنسانية من الاستبداد ومن كل تنظيم يسلب الفرد حريته باسم الطاعة.
وحفظ المال يعني مقاومة الاستغلال ورفض تحويل الإنسان إلى مجرد طاقة بشرية في خدمة الأيديولوجيا.
بهذا المعنى، تصبح المقاصد أدوات نضالية لاستعادة الوعي والكرامة والحرية، لا أحكاماً جزئية تُكمّل منظومة الضبط.
المسلم العضوي: الفاعل الذي يكسر دائرة التدجين
في قلب هذا المشروع التحريري يظهر ما يمكن تسميته بـ”المسلم العضوي”. وهذا التوصيف مستلهَم — مع التحوير والتأصيل — من مفهوم غرامشي عن “المثقف العضوي”، ذلك المثقف الذي لا ينفصل عن طبقته ومجتمعه بل يكون لساناً لوعيها ورافعة لتحولها. غير أن المسلم العضوي يتجاوز هذا النموذج: فهو لا يستمد عضويته من الانتماء الطبقي وحده، بل من وصل العقيدة بالفقه بالفكر بالواقع، مما يجعل إيمانه قوةً فاعلة في العالم لا مجرد هوية ثقافية.
فالمسلم العضوي هو الذي يفهم الدين كقوة تحرير لا كأداة ضبط، ويستعيد فاعليته عبر تحطيم آليات التبعية أياً كان مصدرها. ويرفض أن يكون رقماً في قطيع، لأنه يمتلك وعياً يحميه من الاستلاب، ووعيٌ كهذا لا يُبنى فردياً فقط بل يتشكّل في سياق مؤسسي: تعليم ديني يُنمّي الملكة النقدية، وفضاءات عامة تحترم الاختلاف وتصون حق السؤال.
إنه المسلم الذي يُعيد المقاصد إلى معناها الأصلي: تحرير الإنسان لا ضبطه.
الخاتمة: نحو فقه يعيد الإنسان إلى مركزه
إنّ أخطر ما أنتجته بعض التجارب الحركية ليس التنظيمات، بل إعادة تشكيل المسلم نفسه ليصبح قابلاً للانقياد بلا سؤال. وهنا تتقاطع المقاصد مع سيكولوجية الجماهير: فالمقاصد التي جُمّدت تحولت إلى أدوات ضبط، بينما هي في أصلها أدوات تحرير. والمقاصد التي استُعيدت في معناها الحق تكشف أن الضبط والتحرير ليسا نقيضين بل شرطان متلازمان: كل ضبط حقيقي يصون حرية، وكل تحرر حقيقي ينتظم بضبط يحميه.
ولهذا فإن بناء المسلم العضوي يبدأ بثورة هادئة في مناهج التعليم الديني، وبإعادة صياغة أدوات الفهم لا مضامين الخطاب وحدها. ذلك أن الخطاب الصحيح بأدوات فهم خاطئة سيُنتج بالضرورة نتائج مشوهة.
ويبقى السؤال الأعمق مفتوحاً على أفق النقاش: بعد أن يتحرر هذا المسلم العضوي، كيف يتحول من فرد مستنير إلى قوة مجتمعية تُغيّر البنى الفاسدة دون أن تتحول هي ذاتها إلى أداة تدجين جديدة؟ كيف نبني مؤسسات تحمي الوعي والكرامة لا أن تكون مجرد آليات تعبئة تستنسخ منطق القطيع بثوب جديد؟
ويبقى السؤال للمقاصديين:
هل نملك الشجاعة لإعادة بناء خطاب يُنتج مسلماً عضوياً كما أراده الوحي، لا مسلماً قطيعياً كما أرادته الأيديولوجيا؟