تقوم شرعية السلطة السياسية في الدولة العربية المعاصرة المقلدة نظريا للنموذج الغربي على قيم تجد مصدرها الوحيد في العقل والتجربة التاريخية البشرية، بحيث يرجع عند تحديد المصلحة العامة واختيار السلطة القائمة عليها للعقل الجمعي المتمثل في إرادة الشعب، وتقاس شرعيتها بدرجة النفع الذي حققته من امتثالها للنظام الوضعي الذي يشكل وحده “المرجعية المحددة لشرعية السلطة”. وفي هذا السياق النظري أصبحت شرعية الدولة المعاصرة تنبني على بعدين: الأول إرادة الشعب، والآخر النظام القانوني الوضعي الذي منطلقه العقل، وليس له أي علاقة بمرجعية سماوية أو دينية، وهو لب العلمانية التي “تهدف أساسا إلى تحرير السلطة السياسية من اللاهوت، ومن المطلق، لتنزل بها إلى العالم النسبي والبشري، لا من حيث الممارسة فقط، وإنما كذلك من حيث المرجعية. فأصبح الشعب هو حدود المجال السياسي باعتباره في ذات الوقت صاحب السلطة وموضوعها، في حين بقيت الوحدة الإسلامية تسكن الضمائر، أما مطلب الوحدة القومية القائمة على المكون الثقافي واللغوي فإنه تراجع على وقع الخيبات السياسية”. وأصبحت الدولة، “دولة المواطنين الذين تجمعهم العصبية السياسية”، ومصلحة الأمن المشترك، والمناعة الاقتصادية المشتركة، وتربطهم الجغرافيا لا العقيدة. فالمواطنة باعتبارها علاقة قانونية وسياسية بين الفرد –مطلق الفرد الخالي من أي توصيف- والوطن هي بالأساس العلاقة التي أصبحت تحدد جوهر السياسة في الدولة المعاصرة، التي أعلنت نفسها دولة العقلانية القانونية.
علاوة على ذلك أخذت شرعية الدولة (الوطنية) الحديثة تنهض على أساسين متلازمين: تمثيل الأمة وسلطة الشعب، “فلا تكون الدولة شرعية إن لم تمثل إرادة مجموع الشعب في السيادة الذاتية، بصرف النظر عما يرمز لتلك السيادة(مؤسسة، شخص). والدولة هنا ليست شيئا آخر سوى الإرادة العامة. كما لا تكون الدولة شرعية إلا متى قامت على مبدإ سلطة الشعب، أي على المبدإ الذي يسلم بأن الشعب هو مصدر السلطة، بصرف النظر عن الكيفية التي يفوض بها تلك السلطة إلى غيره. غير أن ارتباط الدولة الحديثة بمحيطها الخارجي، كإفراز لمخلفات الاستعمار، سيشكل عائقا أمام أي محاولة لانعتاقها ونهضتها”، إذ إن ارتباط الدولة الحديثة بالقوى المتنفذة، أثّر سلبا على مشروعها السياسي، وبعدها الوظيفي، مما شكل ولا يزال عائقا موضوعيا في وجه كل مشروع نهضوي طموح. لتصبح الإكراهات الدولية تحظى بالأولوية على حساب المصالح الوطنية والقومية ” هكذا أصبحت الدولة “ظاهرة معقدة في بنيتها التنظيمية كما في امتداداتها الشبه الرسمية، مما جعلها نسيجا متشابكا تنتظم فيه غالبية الواجهات والمؤسسات المتباينة الوظائف، بهدف التوغل في النسيج الاجتماعي واحتواء تفاعلاته وتعبيراته بالشكل الذي يضمن مركزية الدولة وهيمنتها وتحكمها من جهة وإجهاض التفاعلات وأشكال التعبير التحررية من جهة أخرى”.
بناء على ما سبق يتجلى الفارق في مصادر الشرعية ومكوناتها، بين المنظومة الإسلامية في بناء السلطة وتدبيرها، وفلسفة السلطة في الدولة المعاصرة المنطلقة من جذورها العلمانية، فإذا كانت السلطة للأمة أو الشعب والسيادة للشريعة في النظام السياسي الإسلامي، فإن الدولة الحديثة العلمانية لا تفصل بين السلطة والسيادة من حيث المصدر، فكلاهما ومصدرهما ومنطلقهما واحد وهو الشعب، “فشرعية السلطة في الدساتير المعاصرة ترجع إلى إرادة الشعب التي تتمظهر في القوانين، فيصبح النظام القانوني القائم هو المرجعية، ومن ثمة فإن التقيّد الشكلي بالقواعد النافذة هو وحده الذي يضفي على السلطة شرعية”.
وهذا يتقاطع مع تصور الشرعية في المنظور الغربي والذي شكل في حد ذاته جانبا من القصور المنهجي لمفهوم الشرعية والمشروعية فيه، “فقد اقتصر التصور الغربي للشرعية على التزام شكلي من طرف السلطة بقواعد النظام القانوني الذي وضعته هي، فاندمجت الشرعية – موافقة السلطة لقيم المحكومين وتطلعاتهم- مع المشروعية بما هي موافقة السلطة للقانون الوضعي”، “فسيادة الشعب الذي أصبح يحل محل الشريعة الإسلامية كمصدر للشرعية لم تنف المرجعية المطلقة كما يدّعي العلمانيون، بل استبدلتها فقط، فأرجع التشريع وتنظيم حدود وضوابط السلطة ومقوماتها للشعب الذي له السلطة المطلقة في التجويز والمنع والتحسين والتقبيح”، وبالتالي فالعلمانية لم تخلص السياسة من المقدس إنما استبدلت مقدس بمقدس آخر، أي استبدلت مقدس النص بمقدس الشعب.
الملمح الآخر الذي ميز الشرعية السياسية في الدولة المعاصرة اختزالها في المنافع الجزئية البعيدة عن المصلحة الشرعية على عكس المنظور الإسلامي للدولة الذي “يسعى إلى تحقيق خلافة الإنسان في الأرض ببعدها الغائي الجامع لخيري الدنيا والآخرة. فتصبح السلطة بهذا التصور قوة في خدمة غاية، والمصلحة السياسية التي تهدف لها السلطة منضبطة بضوابط الشرع ولا تخرج عنه. فالغاية من السلطة إذن تمثل جوهر الاختلاف بين المنظور الإسلامي والتصور العلماني، بحيث أصبحت السلطة تستمد شرعيتها فقط من قدرتها على الإنجاز السياسي والنجاعة في تسيير الشأن العام، وليس الفعل الحضاري بعمقه الأخلاقي والديني المتمثل في تحقيق الاستخلاف والمقاصد الشرعية.
إذن فالاختلاف الأول بين المنظور الإسلامي والغربي يرجع لمكون المرجعية، فإذا كانت إلهية ثابتة في التصور الإسلامي فهي مادية محضة في المنظور الغربي، “فبعد انحلال العصبية المركزية التي كانت تمثلها الخلافة العثمانية واستبعاد الشريعة بقرار سياسي استعماري أولا، ثم بقرار نخبوي في دول ما بعد “الاستقلال”، أعلنت السلطة السياسية في معظم الأقطار العربية مهمة تحديث البنى الاجتماعية ومقاومة الفقر والجهل. وكان أول ما بادرت به توحيد القضاء -بإلغاء القضاء الشرعي- وإرساء تشريع وضعي، حيث أرست النخب السياسية الحاكمة علمانية فوقية لم تكن مطلبا شعبيا واكتفت بالتنصيص على الإسلام كدين للدولة في دساتيرها”. وهو تنصيص في الغالب يبقى شكليا لا يترجم قيما وقوانينن ومبادئ تؤطر المؤسسات كما يؤطر الفرد.
فخلفية الإصلاحات التي قامت بها الدولة الحديثة في عمقها هي إبعاد الشريعة تدريجيا عن المرفق العام والسياسات العمومية، “فقد أعلنت السلطة السياسية إصلاحات تحديثية وتوسلت في ذلك بتنظيمات إدارية وتشريعية غربية، كما أعلنت شرعية جديدة بيروقراطية عقلانية، محاولة التأسيس لمفهوم المؤسسة لتجاوز ما عرفته الخلافة تاريخيا من شخصنة السلطة، كما تم الترويج لاستبدال الرابط القبلي والطائفي بالرابط الوطني الذي تذوب فيه كل الاختلافات لفائدة مفهوم المواطن المتساوي مع غيره أمام القانون، وأصبحت هذه الأهداف هي المقومات الجديدة لشرعية إسناد السلطة. أما وظيفيا فإن السلطة الوطنية تعهدت بتحقيق المنفعة العامة التي ستصبح مقياسا لشرعية ممارسة السلطة.
والملاحظ أن الاقتباس عن الغرب لم يكن إلا شكليا أي اقتباس المغلوب عن الغالب، فلم يقع مثلا إرساء ديمقراطية تشاركية يكون الشعب فيها فاعلا وصاحب السلطة الأصلية، فالنخب السياسية التي تلقت تكوينا غربيا مدنيا أو عسكريا وتولت مقاليد السلطة أعلنت عقلانية سياسية لا جذور اجتماعية وتاريخية لها، وإنما استوردت نموذجا جاهزا للتطبيق من موقع المغلوب، لهذا أصبحت هذه العقلانية إيديولوجيا مغلقة، ولم تعد فعالة توجه العمل السياسي كما أريد لها نظريا أن تكون، حيث انتقلنا من تغلب الفرد إلى تغلب جهاز السلطة في الدولة المعاصرة”، فرغم تغير شكل الحكومات والأنظمة ظلت نفس الفلسفة السياسية القديمة المبنية على التحكم والهيمنة والاستبداد هي المتحكمة والسائدة، وبالتالي لم تنجح الدولة المعاصرة إلا في استيراد الأشكال والقوالب فقط. فالدولة المعاصرة وهي تخطو خطواتها الأولى الساعية نحو التحديث والتطوير، إنما استبدلت طاغية بآخر في غياب مشاركة حقيقية للمجتمع والشعب في صناعة القرار ومراقبة السلطات المختلفة، فكانت الشرعية التي أنتجتها شرعية صورية.
وخلاصة القول فالدولة التي نشأت مع بداية الإسلام، انتقلت من دولة الشرعية السياسيةالمحكومة بقاعدة السلطة للأمة والسيادة للشريعة، إلى دولة السياسة الشرعية حيث تم التخلي تدريجيا عن مبدأ مركزية الأمة وفعاليتها وباقي القيم السياسية الأخرى المؤسسة للرشد السياسي تأسيسا وتدبيرا ، لتنتقل إلى دولة الشرعية العلمانية المادية التي استبدلت مقدس بمقدس آخر فقط، أي ” تمت في الدولة الوطنية دهرنة الدولة، لتنتهي إلى شرعية المنفعة واللاهوت العلماني الذي تصنع فيه السلطة شرعيتها”، فالمطلوب اليوم في إطار المجهود الرامي لإعادة بناء الدولة الراشدة هو تحرير العقل السياسي الإسلامي ليبدع نموذجه، ولا يكون ذلك إلا بالتخلص من التقليد والانطلاق رأسا من النص الهادي ومقاصده وقيمه البانية. إذ “إن الدولة الوطنية المعاصرة التي أعلنت تخليص المجال السياسي من المقدس الديني بآخر علماني لتصبح العقلانية الوضعية مرجعية مطلقة بدل أن تكون فعالية وصيرورة بناء. فبقيت هذه الدولة المعاصرة ممزقة بين نمط الدولة التاريخية السلطانية، حيث الدور الأول لكاريزما الحاكم الفردي، وبين نمط بيروقراطي عقلاني مستورد. ولا يمكن للعقل السياسي الإسلامي أن يخرج من هذه الثنائية ليبني نموذجه الحضاري وتصوره المستقل للشرعية السياسية إلا بالتحرر من ثقل التاريخ والتمسك بالاجتهادات والممارسات التقليدية لينطلق إلى تحرير العقل السياسي ويبدع نموذجه بتخليص النص المؤسس من غبار التاريخ ويسترجع دوره الحضاري سعيا لبناء النموذج السياسي الإسلامي المنطلق من قاعدة السلطة للأمة والسيادة للشريعة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.