تخيّل معي هذا العنوان الذي نستعيره من عالم الأدب العصبي، من كتاب The Man Who Mistook His Wife for a Hat “الرجل الذي ظن أن زوجته قبعة” لصاحبه أوليفر ساكس، لا بوصفه حالة طبية فحسب، وإنما مرآة دقيقة تُسلَّط على خللٍ أعمق يعالج علاقة الإنسان بالإدراك، وكيف يمكن للعقل أن يرى دون أن يفهم، وأن يستقبل الصورة دون أن يمنحها معناها الحقيقي؛ فالعنوان هنا ليس حكاية رجلٍ أخطأ في التمييز، وإنما مفتاح لفهم مأزقٍ إنساني يتكرر في صور شتى، حيث يلتبس الظاهر بالجوهر، وتضيع الحقيقة في زحام التأويل.
تخيّل المشهد قليلًا، لا على أنه تقرير سريري جامد، وإنما لقطة من مسرح عبثي رفيع الحس: رجل أنيق ووقور، يقف أمام زوجته، يحدّق فيها بعين الباحث، ثم يمدّ يده بثقة العارف… ليضعها على رأسه وكأنه يلتقط قبعة! أي مفارقة هذه التي تجعل الرؤية قائمة، والفهم غائبًا؟ أي عقلٍ يلتقط التفاصيل بدقة، ثم يعيد تركيبها على نحو يثير الابتسام والحيرة معًا؟ هنا لا ينبثق الضحك سخرية من الرجل، وإنما دهشة من أنفسنا، لأن في داخل كل واحدٍ منا أثرًا من هذا الخلل الخفي؛ نرى كثيرًا ونفهم قليلًا، ونمضي مطمئنين إلى أن الرؤية تكفي. فذلك الرجل لم يكن فاقدًا للبصر، ولم يكن غارقًا في غفلة، وإنما كان أسير خلل دقيق يُعرف بالعمه البصري؛ حيث تصل الصورة كاملة، ثم تتعثر في طريق المعنى، كأن الرسالة بلغت الباب ولم تجد من يفتح لها؛ وهنا تتجاوز الحكاية حدود الطب لتلامس جوهر التجربة الإنسانية، فنكتشف أن الإشكال ليس في العين، وإنما في التأويل، ليس في المشهد، وإنما في القراءة.. ألا ترى كيف تمتلئ الحياة من حولنا بقبعات تتخفّى في هيئة أشياء أخرى؟
في السياسة تُرفع شعارات براقة تُلبس كأنها تيجان الحكمة، ثم يتبيّن بعد حين أنها أقمشة منسوجة من الوهم، لا تقي من حرّ الواقع ولا من برد الحقيقة؛ نندفع خلفها بحماس، نمنحها أصواتنا وثقتنا، ثم نكتشف أننا كنّا نخاطب صورة لا مضمونًا، ونهتف لرمزٍ لم نُحسن فهمه.
في الثقافة تتخذ القبعات هيئة كلمات مزخرفة واقتباسات لامعة، نحفظها ونرددها، فنحسب أننا امتلكنا المعنى، بينما نحن لم نغادر سطح العبارة؛ نرى النصوص ونغفل عمقها، ونستعير الحكمة دون أن نعيشها.
وفي المجتمع تتكثف المفارقة أكثر؛ نحكم على الناس بسرعة خاطفة، نُصنّفهم وفق مظهر أو موقف عابر، فنمنح القيمة لمن لا يستحقها، ونسلبها ممن يحملها في صمت؛ كم من إنسانٍ عظيم مرّ بنا فلم نره، وكم من صورةٍ لامعة خدعتنا فحسبناها حقيقة؛ والمفارقة المؤلمة أن صاحب القصة كان معذورًا بعلّته، أما نحن فنمارس الخلط بكامل وعينا، أو بما نتصوره وعيًا.
وفي الاقتصاد تتلوّن القبعات بألوان الأرقام؛ نطارد المال كما لو كان غاية مكتملة، نرى تضاعفه فنظن أننا نزداد قيمة، ثم نكتشف أن الداخل لم يتغير، وأن الزيادة كانت في الرصيد لا في المعنى؛ نضع على رؤوسنا تاج النجاح، ولا نسأل عمّا تحته، هل هو امتلاء حقيقي أم فراغ مصقول بعناية؟!
أما في أعماق النفس، فالمشهد يزداد رقّة وخطورة في آن؛ نخدع ذواتنا بأناقة، نُقنعها بالسكينة والوقار وهي مضطربة وفي انكسار، نُغلف القلق بعبارات الطمأنينة، نرى مشاعرنا ولا نفكّكها، نغضب دون أن نعرف الجذر، نحزن دون أن نُدرك المصدر، نحبّ دون أن نميّز بين الحاجة والمعنى؛ نقف أمام مرآة أنفسنا فنرى صورة مألوفة، بينما في الداخل عالم ينتظر أن يُفهم، لا أن يُرى فقط.
إن الحقيقة التي يهمس بها هذا المشهد الطريف العميق أن الإدراك ليس فعلًا بصريًا، وإنما مسارٌ مركّب يبدأ بالرؤية ولا ينتهي بها؛ العين بوابة والعقل مُفسِّر، وإذا اضطرب التفسير خرجت المعاني مشوشة، مهما كانت الصور واضحة؛ لذلك لا يكفي أن نفتح أعيننا، وإنما يلزم أن نُدرّب عقولنا على القراءة، أن نمنح أنفسنا لحظة تأمل قبل الحكم، وأن نتحلى بمرونةٍ تسمح لنا بالاعتراف بالخطأ دون مكابرة، لأن الخطأ حين يُفهم يتحول إلى معرفة، وحين يُنكر يتحول إلى عادة.
دعني أقولها لك بنبرة تجمع بين الحكمة وخفة الظل: قد لا تختلط عليك زوجتك بقبعتك، وتلك نعمة تستحق الشكر، غير أن الخلط قد يقع في مواضع أشد أثرًا؛ بين القيمة والمظهر، بين الحقيقة والصوت المرتفع، بين الإنسان وصورته، وهنا يكمن التحدي الذي يرافقنا في كل يوم… أن نتعلّم رؤية ما وراء الظاهر، وأن نُحسن قراءة الإشارات قبل إصدار الأحكام، وأن نُميّز بين ما يبدو وما يكون.
وهكذا نمضي في هذه الحياة لا كمشاهدين عابرين، وإنما كمؤولين واعين، نربط بين الصورة والمعنى، بين الظاهر والباطن، نخطئ ونتعلم، نبتسم ونتأمل، لأن كل لحظة إدراك صادق تعيد ترتيب العالم في داخلنا، وتجعلنا أقرب إلى الحقيقة، وأقلّ عرضة لوهمٍ يتزيّن في هيئة يقين.
للذكرى: قد يبتسم الإنسان من حكاية رجلٍ رأى زوجته قبعة، غير أن الأجدر به أن يُصغي إلى السؤال الهادئ في داخله: كم صورةً مرّت بعيني ولم أفهمها؟ كم معنىً لبسته على عجل فحسبته حقيقة؟
فليس الخطر في زلة نظر عابرة، وإنما في عقلٍ يعتاد الخطأ… حتى يصير عنده وجهًا من وجوه اليقين .. فتأمل ..!