منتدى العمق

سكير الحارة

“العربي” شخص يبدو ـ في نهار الناس ـ من أشد الخَلق تعقلا و وقارا. كان يقوم بإصلاح أي مذياع أو تلفاز تحل به لعنة العطب أو الخلل، قليل الكلام ومُتقن لعمله، بل لا يناقش زبائنه حتى ثمن الإصلاح. لكن ليل العربي غير نهاره، لقد أصبح فجأة يتعاطى السوائل الحمراء التي تذهب بالعقل وتجعل متعاطيها أضحوكة ومسخرة بين الناس. هكذا أصبحت أمسية السبت أو الأحد تمثل مشهد الفرجة بالنسبة لكثير من الشامتين، ومشهد الأسى والحسرة بالنسبة للعقلاء. يأتي الرجل قبيل منتصف الليل كالثور الهائج، وتكون الأصداء كأنما سبقته فتشرئب الأعناق من النوافذ، ويخرج الصبية من كل مكان، بينما تحكم “خدوج” ـ زوجة العربي ـ إغلاق الباب الحديدي وتقوم بإطفاء الأنوار داخل البيت. أمّا صاحبنا فيبدأ المشهد بقرع عنيف للباب باليدين أولا ثم بالرجلين ثانيا متدرجا من القوة إلى العنف الرهيب القاسي، ثم يبدأ بتوجيه الشتائم والسباب للزوجة المغلوبة على أمرها:
ـ افتحي الباب أيتها العوراء! يا عين (الزّنّان).. !
وكلمة (الزنان) في العامية المغربية تعني قطعا صغيرة من الكبد أو القلب.. ملفوفة بالشحم توضع في سيخ حديدي ويتم شيّها على النار، وبعد ذوبان الشحم تصبح القطع أشبه بلون السحاب الأبيض المائل للرمادي. وحقيقة فعين “خدوج” اليسرى كانت تشهد اختلاط السواد بالبياض، فكان التشبيه بينها وبين (الزنان) لا يصل إلى مثله إلا شاعر أو حكيم أو مجنون. كانت المرأة ـ التي لا ترى إلا بعين واحدة ـ لا ترد على الشتائم مهما بلغت حدتها، بينما ولداها: محمد وعبد الهادي يختبئان إما في البيت أو عند الجارة (الحاجة ماماس)، وتبقى البنت الكبرى (حكيمة) مع أمها في البيت تلعن ـ في سرّها ـ حظها العاثر الذي جعل من أبيها سكيرا مما سيسبب انصراف الخطاب عنها ـ في زعمها ومعتقدها ـ وقد كانت الفتاة تمتاز بالحسن والبهاء، وكأنما لا صلة لها بهذا البيت الملعون ،فكانت تترجى أمها لفتح الباب وتهدئة الوالد، لكن أمها كانت تنهرها وتؤكد لها أنه سيكسر كل البيت على رأسيهما إن قامت بفتح الباب.
كانتا تنتظران أن يتجاوز حالة الهيجان ثم يعود أدراجه باتجاه دكانه. وفعلا لم يكن المشهد يستغرق سوى ساعة على الأكثر، ثم يقول أحد الجيران:(الحمد لله أنه لعن شيطانه وانصرف سريعا)، بينما يعلق آخر قائلا: (إن السكْر بدأ يتلاشى مفعوله وأنه الآن خجلان مما يفعله). فيرد عليه آخر :(لو كان أمثاله يخجلون لما تعاطى ـ وغيره ـ السكر من الأصل).
وحقيقة الأمر أن الجيران كانوا يتفادون إخبار الشرطة بالضجة التي يحدثها جارهم (العربي)، كانوا يخافون أن يتم الزج به في السجن فتسوء حالة الزوجة والأبناء أكثر وأكثر، لذلك كانوا يحاولون تهدئته أو تركه إذا وجدوا أن أسلوب التهدئة يجعله يثور ويهيج أكثر كما وقع مرات ومرات، ففي إحدى الحالات تدخل ابن (الصالحة)، وهو شاب عاقل كان الجيران ينسبونه لأمه للتيمن باسمها الدال على الصلاح والخير، إلا أن (العربي) أوعز إليه شيطانه أن يرد على الشاب قائلا:
ـ اسكت يا ابن من لا نظنها صالحة!
فضاقت الأرض على الشاب بما رحبت، وندم أشد الندم على أن زج بنفسه فيم لا يعنيه.
وتدخل في يوم آخر شخص من قبيلة (بني مسكين) ـ وهي تشكل منطقة في نواحي إقليم سطات ـ قائلا:
ـ متى يتخلص حيـّنا منك أيها السكير؟ نأتي من عملنا مُتعبين لتتعبنا أكثر.
فرد عليه (العربي) على الفور:
ـ اسكت يا قبيلة الجوعى المساكين! أأصبح لك عمل تتباهى به..؟ أمثالك جاؤوا إلى المدينة في الجفاف عراة فكسوناهم وجوعى فأطعمناهم، وكانوا لا يتكلمون من الضعف والهزال، فأصبحوا الآن يتكلمون في حق أسيادهم.
احتار الناس حقا في أمر ذلك السكير الحكيم ذي اللسان السليط، وتعجبوا في كونه نهارا كالحجارة الصماء، يدخل ويخرج ولا يكلم أحدا ولا يأتي منه الأذى لأي مخلوق. لكنه في الليل يصيح ويسب ويلوح بمعطفه ولكنه لا ينسى رداءه أبدا، بل يحمله في نهاية السهرة المعتادة في آخر الأسبوع. ولا يتخلف عنها إلا نادرا، ولا يغير موعدها خارج السبت والأحد.
تمر الأيام ويكبر الولدان، ويشتد ساعدهما. ويتغير المشهد تماما، إذ بمجرد عودة الوالد، يجد الباب مفتوحا على الآخر، وبمجرد دخوله ينقض عليه الأربعة ويحكمون تقييده، فيتحول الثور الهائج إلى حمل وديع. وفي الصباح يتوجه الأب إلى دكانه وكأن شيئا لم يقع، بل إن أحداث السكر والعربدة أصبحت شيئا من الماضي حتى لو بقيت فلتات منها مستمرة في الخفاء والحرز المكين.
تتزوج البنت الكبرى برجل من أسرة محترمة وتنجب أطفالا. ويصبح محمد حارسا في السجن المحلي للمدينة، بينما عبد الهادي الأخ الأصغر يحمل مشعل الوالد ويصبح من أشد شباب المدينة انحرافا. ويردد أحد ظرفاء الحارة معلقا:
ـ السكير الوقور، من ذريته اللص والسجان.
ويرد عليه ظريف آخر:
ـ بيت التناقضات العجيب، فيه الحُسن و(الزنان). (في تلميح للتناقض بين البنت وأمها). ويجيب طرف ثالث على سابقيه:
ـ غابت سهرات العربي “السكران”، وأصبح الناس أسرى التلفاز وحريم السلطان.
هكذا إذن توارت قصص حارة (المقدم المعطي) خلف زوايا النسيان، لتصبح مجرد طيف من الذاكرة، يستعيدها الكبار ، ويتسامعها الصغار كأنما هي خرافات طافحة بالأسرار.