وجهة نظر

العيش الكريم كما يريده الملك للمغاربة

في المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس يوم 9 أبريل 2026، لم يكن الجزء المتعلق بالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة مجرد محور ضمن محاور أخرى. لقد تأكد أن الأمر يتعلق بترجمة عملية لاختيار سياسي واستراتيجي سبق أن عبر عنه الملك بوضوح في خطاب العرش الأخير. الفكرة المركزية هنا واضحة وهي أنه لم يعد مقبولا أن تستمر التنمية بمنطق غير متكافئ بين المجالات، ولا أن تبقى بعض المناطق خارج الأثر الفعلي للتقدم. لذلك جاء بلاغ الديوان الملكي بصيغة مباشرة ربطت هذا الورش بجعل تحسين ظروف عيش المواطنات والمواطنين وصون كرامتهم غاية كل سياسة عمومية، مع غلاف مالي إجمالي يناهز 210 مليارات درهم على مدى ثماني سنوات.

هذا المعطى يفرض منذ البداية قراءة الموضوع خارج منطق الخبر. فالمسألة لا تتعلق فقط بإطلاق برامج جديدة، بل بإعادة تعريف سؤال التنمية نفسه. ففي خطاب 29 يوليوز 2025، دعا جلالة الملك صراحة إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة للتنمية المجالية المندمجة، موضحا أن الهدف هو أن تشمل ثمار التقدم والتنمية جميع المواطنين في مختلف الجهات، دون تمييز أو إقصاء.

وما جرى في المجلس الوزاري هو أن هذه الفكرة خرجت من مستوى التوجيه العام إلى مستوى التصميم المؤسساتي والتدبيري. لم يعد الأمر مجرد دعوة إلى عدالة مجالية أوسع، بل أصبح ورشا مؤطرا بأولويات واضحة، وهياكل للقيادة، وآليات للتنفيذ، ومساطر للتقييم والمحاسبة. بهذا الشكل، نحن أمام مرحلة تنزيل لا مرحلة إعلان فقط.

ما يلفت الانتباه في هذا الورش، كما ورد في بلاغ الديوان الملكي، هو أنه لا ينطلق من منطق مركزي يحدد الحاجيات من فوق، بل من مقاربة تستمد أولوياتها من الاحتياجات المعبر عنها محليا من قبل المواطنات والمواطنين. وهذه النقطة أساسية، لأنها تكشف أن الرؤية الملكية تريد تغيير طريقة اشتغال الدولة في هذا الملف. فبدل أن تظل البرامج الترابية مجرد امتداد لسياسات قطاعية جاهزة، يراد لها أن تنطلق من التشخيص الفعلي لكل عمالة وإقليم، بناء على تحليل المؤشرات السوسيو-اقتصادية، وتحديد نقاط القوة والضعف في ما يخص الولوج إلى الشغل والتعليم والصحة والماء وبرامج التأهيل الترابي.

هنا تحديدا تظهر أولى دلالات الورش. فالدولة لا تتحدث فقط عن تمويل مشاريع، بل عن بناء تدخل عمومي أكثر قربا من الواقع، وأكثر التصاقا باحتياجات السكان كما هي، لا كما تُتصور من المكاتب المركزية أو من الخطاب السياسي العام. وهذا ما يمنح المشروع بعده الحقيقي، لأنه ينقل التنمية من منطق التقدير العام إلى منطق المعرفة الدقيقة بالمجالات وحاجياتها.

ومن هذه الزاوية، فإن ما يريده الملك للمغاربة في هذا الورش لا يقتصر على تحسين ظرفي لبعض المؤشرات، بل يتجه نحو تغيير نوعي في علاقة المواطن بمجاله الترابي. حين يتحدث البلاغ عن الرفع من جاذبية المجالات الترابية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وخلق فرص الشغل، فهو يضع التنمية في معناها المركب. ليس المقصود فقط تمكين المواطن من خدمة أو بنية تحتية، بل أيضا جعل المجال الذي يعيش فيه قابلا للإنتاج والاستثمار والاستقرار.

وهذا مهم، لأن جزءا من الاختلال المغربي في العقود الماضية كان يتمثل في أن بعض المجالات كانت تُدار بمنطق تدارك الخصاص فقط، بينما المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق سد النقص إلى منطق بناء القدرة. أي أن تصبح الجهة أو الإقليم أو المجال فضاء قادرا على صناعة الثروة واحتضان المبادرة وخلق فرص الشغل، لا مجرد فضاء يتلقى التدخل العمومي لمعالجة أعطابه. هذا التحول في زاوية النظر هو أحد أهم ما يكشفه هذا الورش.

لذلك أيضا، لم يأت الورش الجديد منفصلا عن الجهوية المتقدمة، بل بدا امتدادا عمليا لها. فالمجلس الوزاري صادق، في السياق نفسه، على مشروع قانون تنظيمي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي المتعلق بالجهات. وكان البلاغ واضحا في ربط هذا الإصلاح بإرساء إطار قانوني ومؤسساتي يضمن التنزيل الأمثل والفعال للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.

والمعنى هنا أن الملك لا يريد تنمية ترابية تدور على هامش المؤسسات، ولا جهات بصلاحيات نظرية دون قدرة فعلية على الإنجاز، بل يسعى إلى مواءمة الأدوات القانونية والمالية والتنفيذية حتى تصبح الجهة رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والمجالية. وهذا يفسر أيضا التركيز على الموارد المالية للجهات، وعلى إعادة توزيع الاختصاصات، وعلى تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة تجمع بين الرقابة العمومية ومرونة الأداء.

في هذا المستوى تتضح إحدى أهم رسائل المجلس الوزاري. فالملك يريد أن يخرج هذا الورش من دائرة النوايا الحسنة إلى دائرة الفعالية. لذلك جرى تصميم حكامة متعددة المستويات، تنطلق من المحلي حيث لجنة برئاسة العامل تتولى الإعداد والتتبع والتشاور مع الساكنة، ثم الجهوي حيث لجنة برئاسة والي الجهة لتجميع البرامج وضمان انسجامها، وصولا إلى المستوى الوطني حيث لجنة يرأسها رئيس الحكومة تتولى المصادقة والتنسيق ووضع مؤشرات التتبع والتقييم.

ولم يقف البلاغ عند هذا الحد، بل أضاف تدقيقا سنويا مشتركا بين المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، ومنصة رقمية تتيح الولوج إلى المعلومات المتعلقة بالبرمجة وحالة تقدم الأشغال وتنفيذ المشاريع. هنا لا يتعلق الأمر بتفاصيل إدارية ثانوية، بل بفلسفة واضحة تؤكد أنه لا تنمية ترابية ناجحة من دون وضوح في المسؤوليات، ولا أثر فعلي من دون قياس ومراقبة وشفافية.

سياسيا، يكشف هذا المسار عن أمر بالغ الدلالة. فحين يضع الملك هذا الحجم من التمويل، وهذه الدرجة من التأطير، وهذه الصياغة الواضحة التي تجعل تحسين ظروف عيش المغاربة وصون كرامتهم غاية مباشرة للسياسة العمومية، فإنه في الواقع يعيد ترتيب سلم الأولويات الوطنية. وهذا الترتيب لا يخاطب الحكومة فقط، بل أيضا الأحزاب والمنتخبين والإدارات الترابية والفاعلين المحليين. فهو يقول لهم، عمليا، إن المرحلة المقبلة ليست مرحلة شعارات حول التنمية، بل مرحلة انخراط مسؤول في تحويل الموارد والرؤية إلى أثر ملموس في حياة الناس.

ومن هنا يمكن فهم البعد الواضح لهذا الورش. فهو ورش يفترض أن يُصان من الاختزال الحزبي، ومن المزايدات الشعبوية، ومن تحويله إلى مخزون انتخابي. فالبرامج التي تبنى على حاجيات الناس الفعلية، وتخضع للتقييم السنوي، وتتصل مباشرة بملفات الشغل والخدمات الأساسية والماء والتأهيل الترابي، يجب أن تبقى التزام دولة طويل النفس، لا مادة للاستهلاك الظرفي.

وفي هذا السياق، تبدو العودة إلى خطاب العرش ضرورية لفهم الأفق الذي يرسمه الملك للمستقبل. فالخطاب لم يكتف بالمطالبة بالانتقال إلى التنمية المجالية المندمجة، بل حدد أربعة محاور ذات أولوية، تشمل دعم التشغيل عبر تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية، واعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية، وإطلاق مشاريع التأهيل الترابي المندمج في انسجام مع الأوراش الوطنية الكبرى.

هذه المحاور نفسها تظهر اليوم، بصورة أو بأخرى، في هيكلة الورش كما قدم في المجلس الوزاري. وهذا يعني أن ما يراد للمغاربة في المستقبل ليس مجرد تحسين في وتيرة تدخل الدولة، بل بناء نموذج أكثر توازنا. المقصود هو مجال ترابي منتج، وخدمات أساسية أقرب وأكثر عدلا، وتدبير مائي عقلاني، وربط أوضح بين البرامج المحلية والأوراش الوطنية الكبرى.

ومن هذه الزاوية، فإن الورش يضع أمام مختلف الفاعلين رسالة واضحة من داخل الرؤية الملكية نفسها. المطلوب هو التقاط هذا التحول كما هو، والانخراط في إنجاحه بمنطق الدولة لا بمنطق الحسابات الضيقة. فحين تكون الأولوية هي تحسين عيش المغاربة، فإن ذلك يقتضي من الحكومة والجهات والجماعات والإدارة الترابية أن تتعامل مع المشروع باعتباره مسؤولية مشتركة، لا مجالا للتجاذب. ويقتضي أيضا أن تتحول آليات التشاور والتشخيص والتتبع إلى أدوات فعلية للإنجاز، لا مجرد واجهات شكلية.

أما الغاية التي يرسمها هذا المسار فهي أوضح من أن تُخطئها القراءة. الملك يريد تنمية تصل إلى المواطن حيث يوجد، وتقلص الفوارق حيث تراكمت، وتفتح آفاق الشغل والخدمات والاستقرار حيث ظل الخصاص قائما، وتؤسس في النهاية لمغرب أكثر توازنا وتماسكا وإنصافا بين مجالاته. وهذه هي الخلاصة السياسية الأهم في هذا الورش كله.

لهذا، فإن القراءة الرصينة لما جاء في المجلس الوزاري تقتضي القول إننا لسنا فقط أمام برنامج تنموي جديد، بل أمام لحظة تنزيل متقدمة لرؤية ملكية تعتبر أن استقرار المغرب وقوته وتماسكه لا تنفصل عن العدالة المجالية، ولا عن تحسين عيش المواطنين في مختلف المناطق.

الجديد هنا ليس فقط أن الملك دعا إلى ذلك، بل أن الدولة بدأت تضع له هيكله التنفيذي والمالي والمؤسساتي. وما سيأتي بعد ذلك ينبغي أن يكون وفاء جماعيا لهذه الرؤية، وجودة في التنزيل، وارتفاعا من جميع المتدخلين إلى مستوى ورش لا يحتمل العبث، لأنه في جوهره يتعلق بما يريده الملك للمغاربة اليوم وما يريده لهم في المستقبل. تنمية تصل إليهم فعلا، وكرامة لا تبقى مجرد شعار، ومغرب لا يترك مجاله الترابي رهينة التفاوت والإهمال.