تجاوزت كرة القدم في عصرنا الحالي بُعدها الرياضي الترفيهي البسيط، لتصبح صناعة عالمية عابرة للقارات، وأداة استراتيجية بالغة التأثير في ترسيخ القوة الناعمة وتوجيه الدبلوماسية الموازية، وهو التحول الجيوسياسي الذي أدركته المملكة مبكرا، بفضل الرؤية الاستباقية والمتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، فانخرطت فيه برؤية مؤسساتية عميقة، أثمرت نهضة كروية شاملة واستثنائية، تجلت ملامحها الساطعة في الإنجازات التي حققتها الكرة المغربية بجميع أصنافها.
ولم تأتِ هذه الدينامية المتسارعة بمحض الصدفة، بل كانت نتاج استثمار مدروس وعمل قاعدي متكامل، استهدف إحداث ثورة حقيقية في البنيات التحتية وتأهيل العنصر البشري، لتُتوج المملكة هذه المسيرة التصاعدية باختيارها لاحتضان أكبر التظاهرات القارية والعالمية.
وموازاة مع هذا الإشعاع الميداني واللوجستي المبهر، كان لزاما أن يواكب هذا التوهج حضور وازن وفعال للمملكة داخل دوائر القرار الكروي في الاتحادين الإفريقي والدولي، وهو ما تجسد في شخص رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والابن البار لمدينة بركان السيد فوزي لقجع.
غير أن هذا التموقع الاستراتيجي والمستحق أثار حفيظة بعض الجهات والمنابر الإعلامية العربية على وجه الخصوص، التي اختارت طريق الهروب إلى الأمام لتبرير إخفاقاتها المتتالية وركودها الإداري، فعمدت إلى نسج سرديات تضليلية، وترويج ادعاءات واهية تختزل هذا الجهد المغربي الهيكلي الضخم في مصطلح “الكولسة” والتحكم في دواليب القرار، محاولة بذلك تسطيح الوعي الرياضي وتوجيه الرأي العام نحو صراعات وهمية بعيدة عن لغة العشب الأخضر.
وأمام هذا الخطاب المأزوم الذي يقتات على ثقافة المظلومية وتصدير الفشل، تبرز ضرورة مهنية وموضوعية لتفكيك هذه الادعاءات وتفنيدها بالاحتكام الصارم إلى لغة الأرقام ومنطق العقل، إذ تقف حقائق الميدان الساطعة وشراكات المغرب الإفريقية شاهدا قاطعا على أن الريادة الكروية للمملكة هي قطاف طبيعي لتخطيط محكم، ودبلوماسية رياضية مبنية على كفاءة التدبير، مما يدحض تماما كافة حجج الواهمين، ويؤكد أن النجاح الحقيقي يُصنع في الأكاديميات والملاعب وليس في استوديوهات نسج المؤامرات.
تُعد شماعة الكولسة في الخطاب الإعلامي الرياضي الإقليمي مجرد حيلة دفاعية، وآلية نفسية يلجأ إليه البعض لتبرير إخفاقاته وعجزه البنيوي في التخطيط والتسيير، وبدلا من التحلي بالشجاعة لمواجهة الفشل وتراجع الكفاءات، تعمد هذه الأصوات إلى تصدير أزماتها وتشتيت انتباه الجماهير، عبر استغلال الحضور المغربي في مؤسسة الاتحاد الإفريقي لصناعة عدو وهمي، بقصد تضليل واستغباء المتلقي والاستثمار في عقلية المظلومية لتحقيق مكاسب افتراضية مؤقتة، وائدين بذلك التحليل الرياضي الرصين، ومقوضين أية فرصة لبناء مشروع كروي حقيقي قادر على إثبات ذاته في أرض الميدان.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الترويج لهذه السردية المتهافتة حول سيطرة المغرب على دوائر القرار القاري، تقوده بالأساس آلات إعلامية محددة، يتصدرها الإعلام الجزائري والمصري وبدرجة أقل الإعلام التونسي، حيث تحولت هذه الحملات الممنهجة والمستمرة إلى حالة نفسية مستعصية يمكن تشخيصها اليوم بـ “متلازمة لقجع” حتى بات اسمه الشماعة الجاهزة التي تُعلق عليها إخفاقات الآخرين وتُبرر بها كافة تراجعاتهم الكروية.
وفي سياق هذه السردية المضللة، يزعم محترفو التدليس أن المغرب يستغل نفوذه للتأثير على التحكيم، متناسين أننا في عصر الرقابة الرقمية التي توثق أدق التفاصيل، فالمباريات الموثقة شاهدة على أن الأندية والمنتخبات المغربية كانت الضحية الأبرز للظلم التحكيمي، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر ما وقع للوداد في فضيحة رادس حين أُلغي هدف صحيح وعُطلت تقنية الفار لمنع إحقاق الحق، وما تعرض له الرجاء ضد الأهلي المصري بركلة جزاء خيالية وتلاعب مفضوح في النقل التلفزي، ناهيك عن المظالم التي طالت حسنية أكادير ونهضة بركان ضد الزمالك، وغيرها مما لا يتسع المقام لذكره.
والمفارقة الصارخة أن من يتباكون اليوم ويرتدون عباءة الواعظ وحارس الفضيلة الرياضية، هم ذاتهم من لوثوا مسابقات القارة بالأمس القريب وراكموا الكؤوس بطرق مشبوهة داخل الغرف المظلمة، بل إنهم وثقوا هذا العبث باعترافات صريحة ومسجلة، تقر بفسادهم الذي عَبّد لهم طريق التتويجات، ليبرز من رحم هذا المستنقع الانتهازي صنف يقتات على إثارة الفتن، ولا يظهر إلا لنفث السموم ولعب دور الضحية للتغطية على عجز متأصل.
ومن المفارقات العجيبة التي يتعمد هؤلاء المروجون طمسها وتجاهلها عن قصد، الحقائق التاريخية القريبة، فالمغرب كان غائبا تماما ومُغيبا لعقود طويلة عن دوائر صناعة القرار داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وتحديدا إبان الحقبة الطويلة للرئيس الراحل الكاميروني عيسى حياتو، ولم يكن يملك أي تأثير يذكر في كواليس الكرة الإفريقية. في المقابل وخلال تلك العقود ذاتها، كانت دول أخرى تستفيد بشكل مباشر وموثق بالأدلة والبراهين من احتكارها لمراكز النفوذ القاري، فقد كانت الجزائر تبسط نفوذها وتوجه القرارات عبر محمد روراوة، بينما عززت مصر سيطرتها التاريخية من خلال هاني أبو ريدة، مستفيدة كذلك من الامتياز الاستراتيجي الدائم المتمثل في احتضان القاهرة لمقر الاتحاد الإفريقي نفسه، بينما كانت تونس تضمن مصالحها وحضورها القوي في شخص طارق البوشماوي.
وما يثير الاستغراب ويفضح التناقض الصارخ في هذا الطرح الإعلامي، هو أن هذه الدول لا تزال حتى يومنا هذا تملك تمثيلية وازنة ومستمرة داخل المكتب التنفيذي للاتحاد الإفريقي، وتشارك بفعالية في صنع قراراته، مما يظهر بوضوح تام أن المشكلة الحقيقية بالنسبة لهذه الأطراف لا تتعلق فقط بمبدأ التأثير والنفوذ بحد ذاته، بل تكمن أيضا في شخص فوزي لقجع، فهم يرفضون تقبل فكرة التواجد المغربي المؤثر، ويستكثرون على المغرب أن يستعيد مكانته الطبيعية التي حُرم منها قسرا لسنوات طويلة.
وعلى النقيض من هذه الافتراءات وحنين البعض لزمن الفساد والمحاباة الذي ساد قديما، يُعزى الحضور المغربي الوازن اليوم، إلى كفاءة تدبيرية متخصصة نجحت في إنقاذ مؤسسة الكاف من إفلاس هيكلي ومالي وشيك، بعدما عانت من عجز قارب الخمسين مليون دولار وهروب جماعي للمستشهرين، لتتدخل المقاربة المغربية في شخص فوزي لقجع رئيس اللجنة المالية بالاتحاد الإفريقي، عبر خطة إنقاذ شاملة ارتكزت على الحكامة والشفافية، محولة هذا العجز إلى عائدات مالية استثنائية ضاعفت الجوائز القارية، وضخت دعما غير مسبوق لتطوير البنيات التحتية في كافة الاتحادات بلا استثناء، ناسفة بذلك أسطورة التحكم المصلحي من أساسها.
وتتجاوز هذه الريادة حدود التدبير الإداري لتستند إلى رؤية سيادية تعتبر القارة عمقا استراتيجيا، تُرجمت عبر عشرات اتفاقيات الشراكة، وتجلت أسمى صورها في دبلوماسية الملاعب، حين بادرت المملكة بفتح منشآتها لاحتضان مباريات أكثر من خمسة عشر منتخبا، تعذر عليها توفير ملاعب معتمدة من طرف اللجان التقنية بالاتحاد الإفريقي.
ورغم هذا الدعم الصادق يخرج المشككون مرة أخرى بادعاء أن الكاف يحابي المغرب ويمنحه شرف تنظيم التظاهرات الكروية، ليكون الرد المنطقي كامنا في لغة الأرقام والمنجزات على أرض الواقع، التي تؤكد أن اختيار المملكة لاستضافة هذه المحافل القارية، يعود حصريا لبنية تحتية ولوجستية رائدة قاريا، تم بناؤها وفق معايير عالمية، وشكلت البطولات الأخيرة التي احتضنها المغرب، وفي مقدمتها كأس الأمم الإفريقية دليلا قاطعا على هذه القدرة التنظيمية التي نالت إشادة المراقبين دوليا وقاريا.
لتتهاوى بذلك كل مزاعم أسطوانة الكولسة المشروخة أمام صلابة الاعتراف الدولي، لا سِيما وأن الثقة المطلقة التي يحظى بها المغرب من قبل الفيفا تنسف أية نظرية للمؤامرة، لكونها مؤسسة صارمة لا تخضع للتوازنات الإقليمية، واعتمادها المتكرر على المملكة، والذي تُوج بالشرف التاريخي لتنظيم مونديال 2030 بمعية إسبانيا والبرتغال، يستند حصريا إلى معايير جودة دقيقة، تعكس استقرارا مؤسساتيا وكفاءة ميدانية لا تُصنع في الكواليس.
ولعل البرهان الأقوى الذي يُسقط آخر ذرائع هذه السردية الواهية، يأتي مباشرة من أرضية الميدان، وتحديدا من المحافل العالمية الكبرى التي لا يملك فيها الاتحاد الإفريقي أي سلطة أو نفوذ.
فالإنجازات الكاسحة للمنتخبات المغربية خارج القارة تقف كجدار صد منيع أمام أي محاولة للتبخيس، بدءا من البلوغ الملحمي لنصف نهائي مونديال قطر 2022، مرورا بانتزاع الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، وصولا إلى التتويج المستحق بكأس العالم لأقل من 20 سنة بالشيلي 2025، هذا فضلا عن التألق المستمر للمنتخبات السنية والنسوية دوليا، مما يجعلها حقائق ساطعة لا يمكن لأي عقل منطقي أن يختزلها في محاباة تحكيمية، أو يطمسها بنظريات المؤامرة المتهالكة.
تُثبت هذه الانتصارات العالمية الباهرة، بلغة العقل والمنطق، أن التفوق المغربي لم يكن يوما طفرة عابرة، أو صنيعة غرف مظلمة، إنما هو في جوهره تجسيد لتخطيط استراتيجي متبصر، وعمل قاعدي دؤوب، وتتويج لموهبة وطنية خالصة.
وعليه، تظل الرسالة الأبلغ التي يتوجب على مروجي ثقافة التشكيك استيعابها: إن الريادة الرياضية المستدامة لا تُنسج خيوطها في الكواليس، بل تُشيد صروحها بالرؤى العميقة والاستثمار الحقيقي في كفاءة الإنسان وقوة المؤسسات، ويبقى المستطيل الأخضر فضاء عادلا لا يحابي سوى المجتهدين، ذلك أن التأثير الحقيقي والملموس هو حق حصري لمن يمتلك شجاعة التغيير وإرادة الإنجاز، بعيدا عن أوهام الكولسة، وبمنأى عن صخب الاستوديوهات وضجيجها المفتعل.
وخلاصة القول التي تضع حدا فاصلا لكل هذا الجدل العقيم: إن من يمتلك القدرة والمقومات لمقارعة كبار أوروبا وأمريكا اللاتينية على أعلى المستويات، يمتلك بالضرورة شرعية كروية مطلقة، تجعله في غنى تام عن اللجوء إلى أي كواليس رخيصة لإثبات ريادته وتفوقه داخل قارته الأم.
تعليقات الزوار
مقال رائع استاذ الحبيب موضوع شامل تشخيصي دقيق لما تعيشه الكرة الوطنية وتصوير جميل خط بقلمك الشجاع هنيئا لك اخي بهذا المولود الإبداعي الراقي