الحوكمة المالية والأخلاقية هي منظومة من القواعد، الإجراءات، والسياسات التي تحكم كيفية إدارة الموارد المالية داخل المؤسسات لضمان الشفافية، المساءلة، والكفاءة في الأداء. وتهدف إلى تعزيز الثقة بين المستثمرين والجهات التنظيمية عبر الإفصاح الدقيق عن المعلومات المالية، وتقليل مخاطر الفساد أو سوء الإدارة، مما يساهم في تحقيق الاستدامة والنمو المالي. فهل توفرت لجنة الدعم السينمائي داخل المركز السينمائي المغربي في عهد مديره السابق والكاتب العام الحالي لقطاع التواصل على مثل هذه الآلية القانونية بخصوص توزيع أموال عمومية لدعم الإنتاج السينمائي الوطني.
ففي خرجة غاضبة مؤخرا لعدد من الفنانين السينمائيين المغاربة معززة بالوثائق الدامغة والمعطيات الرقمية، قيل فيها أنه لم يعد ممكناً التستر خلف لغة الخشب أو البلاغات الرسمية، ما يجري داخل قطاع السينما المغربية اليوم ليس اختلالات ولا نقاشاً مهنياً، بل منظومة متكاملة لإعادة توزيع المال العام على دائرة ضيقة من المحظوظين، تحت إشراف وزارة يفترض أنها حامية للثقافة فإذا بها تتحول إلى مظلة للريع.
شهادات متطابقة من منتجين ومخرجين، داخل المغرب وخارجه، تؤكد أن نتائج الدعم لم تعد تُحسم داخل لجان مستقلة، بل تُطبخ مسبقاً في كواليس مغلقة، حيث تُوزع “الكعكة” قبل حتى فتح باب الترشيح، ودورة ماي 2026 ليست استثناءً، بل حلقة جديدة في مسلسل محسوم سلفاً، تُعرف فيه أسماء الفائزين قبل أن تُقرأ الملفات.
في قلب هذه المنظومة تقف شبكة مصالح متشابكة بين بعض أعضاء لجان الدعم، ومستشارين مقربين من الوزير، وتحالف غير معلن داخل ما يسمى بالغرف المهنية، حسب تظلم منتجين “قطعت أرزاقهم” في رسالة تتوفر “عبّر.كوم” على نسخة منها، موجهة الى رئيس المركز السينمائي المغربي، مشيرين الى أن هذا التحالف لم يعد مجرد إطار تمثيلي، بل تحول إلى سلطة فعلية تتحكم في من يستفيد ومن يُقصى.
شركات الإنتاج المحظوظة، والتي تكرر حضورها بشكل لافت في لوائح الدعم، وتحصد الملايين سنة بعد أخرى، وهو ما استغرب بل تعجب له المقصيين، وتساؤل عن المعايير التي تجعل من نفس الأسماء دائمة الظفر بالدعم.
شركة Atlantis Films وحدها حصدت ما يقارب 7.49 مليون درهم عبر مشاريع متعددة، من الوثائقي إلى الفيلم الطويل
شركة Plot Pictures اقتربت من 1.32 مليون درهم عبر دعم متكرر للكتابة والأفلام القصيرة
شركة Zorba Prod قفزت إلى حوالي 3.6 مليون درهم، منتقلة بسرعة مريبة نحو تمويل الأفلام الطويلة
شركة Films Elite حوالي 000 50 3 درهم
شركة Boostart Production عرفت بدورها طفرة صادمة، من دعم متواضع إلى أكثر من 3.1 مليون درهم دفعة واحدة
شركة Clap Films انتزعت 3 ملايين درهم في ظهور شبه وحيد لكنه ثقيل
أما Hanane Films Agency فجمعت قرابة 900 ألف درهم في سنة واحدة فقط
هل نحن أمام صدفة جماعية؟ أم أمام نظام يشتغل بمنطق نفس الوجوه، نفس الامتيازات؟
الأخطر من ذلك أن هذا الاحتكار لا يقوم فقط على العلاقات، بل يُدعّم حسب شهادات مهنيين، بآليات ضغط وابتزاز، تتجاوز الكواليس إلى الفضاء الرقمي، منصات إعلامية محسوبة على هذا اللوبي تحولت إلى أدوات لتصفية الحسابات، فمن يخرج عن الصف يُهاجم، ومن يلتزم الصمت يُكافأ.
ولم تعد الصحافة هنا سلطة رقابة، بل سلاحاً في معركة نفوذ، تُنشر الفضائح بانتقائية، وتُستعمل الملفات القضائية كوسيلة ضغط، في رسائل غير مشفرة للمسؤولين، فإما تمرير الملفات أو فتح النار إعلامياً.
وفي ظل هذا المناخ، اضطر معه المنتجون الصغار للانسحاب من المنافسة قبل أن تبدأ.. لماذا يضيعون الوقت والمال في إعداد مشاريع يعرفون سلفاً أنها لن تمر؟ لماذا يدخلون سباقاً نتيجتها محسومة؟
هكذا تُفرغ السينما من روحها.
لا تنافس، لا مفاجآت، لا عدالة فقط إعادة تدوير لنفس الشبكة، التي تحظى بأموال عمومية تُضخ دون مردودية فنية حقيقية، وكفاءات تغادر في صمت، وصورة المغرب الثقافية تتآكل تدريجياً
كل هذا يحدث في وقت يدعو فيه جلالة الملك محمد السادس إلى الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وحسب الوثيقة التي توصلت بها جريدة “عبّر.كوم”، فعدد متزايد من المهنيين يستعد لكشف كل التفاصيل، واللجوء إلى أعلى المؤسسات، لأن ما يجري لم يعد مجرد صراع مهني، بل قضية رأي عام، حين تتحول الثقافة إلى ريع، فإن الخطر لا يهدد السينما فقط، بل يهدد معنى العدالة داخل الدولة نفسها.
حري بنا إذن أن نعمل على تكريس التحول السريع نحو “الدولة الرقمية”.
وتعزيز أسلوب ممارسة سلطات الإدارة الرشيدة أوما يصطلح عليها بالحوكمة الرقمية، حيث تلعب دورا هاما في الوقاية من الفساد سواء بطريقة مباشرة عن طريق القضاء على مختلف مظاهره، أو عن طريق دعم الشفافية والمساءلة الإدارية. ومما لا شك فيه أن الحوكمة الرقمية أصبحت تحتل أهمية كبيرة على المستوى العالمي الآن، وتطبق مفاهيم الحوكمة الرقمية بشكل عام من خلال الإجراءات والعمليات التي يتم من خلالها توجيه المنظمات والتحكم بها، وتوزيع الحقوق والمسؤوليات على مختلف الأطراف عن طريق تكنولوجيا الإعلام والاتصال.