وجهة نظر

مرتكزات أساسية للرؤية الملكية السامية بخصوص الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية

شكل اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد يوم الخميس 9 أبريل2026 في الرباط، برئاسة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، دفعة جديدة في مسار السياسات العامة في المغرب، حيث وضع في صميمها تنفيذ جيل جديد من برامج التنمية الترابية المتكاملة.

ويسعى هذا النهج، القائم على التقييمات المحلية ومشاركة المواطنين، إلى الحد من التفاوتات المكانية بشكلٍ هيكلي، مع تعزيز التنسيق بين مختلف مستويات التدخل وتوجيه العمل العام نحو إحداث تأثير مباشر على الظروف المعيشية للسكان.

وفي هذا السياق، يمكن لنا تسليط الضوء على نطاق هذه البرامج وبعدها الهيكلي وتأثيرها على الحكامة الترابية، والآليات المصممة لضمان فعاليتها، وستناول مرتكزات هذا الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية من خلال النقط الأربعة التالية:

النقطة الأولى: خصوصيات الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية:

يعتبر الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، القائمة على التشخيص المحلي ومشاركة المواطنين، بمثابة المرحلة الدقيقة لرؤية جديدة أكثر شمولية عن السياسات السابقة الرامية إلى تقليص الفوارق المجالية في المغرب.

ويمكن أن نصف التحول بـ “الرؤية المؤسساتية والتراكمية” فنحن أمام رؤية ملكية سامية انتقلت بمفهوم التنمية من المنطق القطاعي العمودي إلى منطق “التنمية المندمجة”.

وهذا الجيل الجديد لا يلغي مكتسبات البرامج السابقة مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو برنامج تقليص الفوارق المجالية، بل جاء ليعالج نقائصها، خاصة في جانب الالتقائية.

فإذا كانت السياسات السابقة قد ركزت على “الكم” وفك العزلة كبنية تحتية، فإن البرامج الحالية تركز على “الكيف” وتثمين تلك البنية من خلال التشخيص المحلي التشاركي، لضمان أن المشاريع نابعة من صلب احتياجات الساكنة وليست “إسقاطاً إدارياً” من المركز. فالحديث عن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية في المغرب ليس مجرد حديث عن تغيير في المسميات أو الأرقام، بل هو غوص في عمق تحول “براديغم” التنمية الذي رسم معالمه جلالة الملك. فنحن أمام رؤية تعيد الاعتبار للمجال كفاعل أساسي، وليس مجرد وعاء لتنفيذ السياسات المركزية.

وهذا الجيل الجديد من تلك البرامج، يرتكز على التشخيص التشاركي، من اجل ملء الفراغات وسد النقائص الوظيفية. فالابتكار هنا يكمن في جعل “المواطن” و”المجال” هما المنطلق؛ فالتشخيص المحلي يضمن أن المشاريع ليست مجرد أرقام في ميزانيات وزارية، بل هي حلول لمشاكل ميدانية حقيقية. هذا التكامل بين “البناء السابق” و”الإدماج الحالي” هو ما يعطي لهذه التجربة قوتها، حيث يتم الانتقال من توفير “الخدمة الأساسية” إلى خلق “القيمة المضافة” وتوطين التنمية داخل المجالات المحلية.

النقطة الثانية: النموذج الجديد واشكالية تداخل الاختصاصات:

بخصوص التخوفات من تداخل الاختصاصات في ظل تعدد مستويات الحكامة (محلي، جهوي، وطني)، فإن النظام المغربي اهتدى إلى آلية “التعاقد” كحل مؤسساتي عبقري. فتوزيع الأدوار اليوم لا يخضع للمصادفة؛ لان الدولة تحتفظ بدورها “الاستراتيجي” كضامن للتوازنات الكبرى، بينما تتحمل “الجهة” مسؤولية “التخطيط والبرمجة” بصفتها القطب الاقتصادي الجديد، وتتفرغ “الجماعة” لتدبير خدمات القرب.

هذا التداخل ليس عبئا، بل هو “صمام أمان” يضمن أن المشاريع الكبرى لا تنفصل عن الاحتياجات الصغرى. ولأن المخاطر البيروقراطية يتم تذويبها من خلال “اللجان الجهوية الموحدة للاستثمار” و”عقود البرامج”، التي تحول العلاقة بين المركز والمحيط من علاقة “تبعية” إلى علاقة “شراكة تعاقدية”. فالنجاعة هنا لا تقاس فقط بسرعة التنفيذ، بل بمدى انسجام المشروع المحلي مع الرؤية الوطنية الشاملة.

النقطة الثالثة الآليات الكفيلة بضمان ترجمة الاستثمارات الرامية لتقليص فعلي للفوارق المجالية وإحداث فرص شغل مستدامة:

إن الحديث بالأرقام المتمثل في 210 مليار درهم يستوجب النظر للأمر من ناحية الكيف وليس الكم، فالسؤال الحقيقي ليس “أين ستصرف؟” بل “كيف سيلمس المواطن أثرها؟”. لان الآليات الكفيلة بتحويل هذه الاستثمارات إلى فرص شغل مستدامة تمر حتما عبر تثمين سلاسل الإنتاج المحلية. فالضمانة الأساسية هنا هي الانتقال من “ثقافة الإسمنت” إلى “ثقافة التنمية البشرية والاقتصادية”. فالطريق القروي لم يعد هدفاً في حد ذاته، بل هو وسيلة لإيصال المنتجات الفلاحية أو السياحية إلى الأسواق. والفعالية تكمن في ربط هذه الاستثمارات بمنظومات اقتصادية ترابية تخلق الشغل للشباب في عين المكان، مما يحد من الهجرة نحو المدن.

كما أن اعتماد نظام “المؤشرات” في التتبع يسمح بقياس “العائد الاجتماعي” للاستثمار، بحيث تصبح المحاسبة مبنية على عدد مناصب الشغل المحدثة ومستوى تحسن مؤشرات الهشاشة، لا على نسبة استهلاك الاعتمادات المالية فقط.
من هنا يمكن الحديث عن التحول من «ثقافة الإنجاز التقني” إلى “ثقافة الأثر الاجتماعي. وتبعا لذلك فالآليات الكفيلة بذلك تشمل:

– الاستثمار في السلاسل الإنتاجية عبر دعم المقاولات المحلية والتعاونيات لتحويل هذه المسالك إلى شرايين اقتصادية.

– التوجيه المبني على المؤشرات من خلال توجيه الاستثمارات بناءً على خرائط الفقر والهشاشة بدقة متناهية.

– ربط التمويل بالنتائج عبر فعيل لجان التتبع والتقييم المستمر لضمان أن كل درهم يتم صرفه يحقق قيمة مضافة في المعيش اليومي للمواطن.

النقطة الرابعة: إحداث شركات مساهمة لتعويض الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، من أجل تعزيز النجاعة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن العام:

بالنسبة لهذا المستجد المتمثل في تعويض الوكالات الجهوية بشركات مساهمة فانه يعتبر انموذجا لقمة الابتكار في تدبير الشأن العام بالمغرب. لان هذا التحول يعد في حد ذاته استجابة مباشرة لمتطلبات السرعة والشفافية. فالوكالات التقليدية، رغم مجهوداتها، كانت تظل سجينة القواعد المحاسبية العمومية التي قد لا تساير دينامية الاستثمار. واعتماد منطق “الشركة” يعني إدخال آليات التدبير الخاص إلى المرفق العام مثال المرونة في اتخاذ القرار، والدقة في التعاقد، والقدرة على استقطاب كفاءات عالية.

فهذه الشركات لا تعزز النجاعة فقط، بل تكرس مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”؛ لان المسؤول هنا يخضع لرقابة مجلس الإدارة، والنتائج تظهر في تقارير مالية وتقنية شفافة تخضع للافتحاص.

اذ يمكن اعتبارها عملية “تحديث” للدولة من الداخل، تجعل من الإدارة فاعلاً رشيقاً قادراً على مواكبة طموحات المغرب في أفق 2030 وما بعده.

وهذا تحول جوهري نحو “عصرنة التدبير العمومي”، فشركات المساهمة الجهوية قادرة على منحنا:

– المرونة والسرعة عبر العمل بمنطق القانون الخاص الذي يسمح بسرعة التعاقد والتنفيذ.

– والشفافية والمحاسبة التي تخضع لآليات تدقيق صارمة ومجالس إدارة تحاسب على “الأداء” و”الجودة”.