منتدى العمق

الدرس البورباكي وإشكالية تجديد النخب: حين يغرد المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة خارج الزمن

بدأت الفكرة بتساؤل يبدو في ظاهره بسيطاً: ما العلاقة بين “مجموعة بورباكي” وتركيبة “المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة”؟ لكن خلف هذا السؤال تكمن إشكالية أعمق تتعلق بكيفية إدارة المعرفة، وتداول النخب، وتجديد الفكر داخل المؤسسات الدينية والعلمية المغربية، سواء في الداخل أو الخارج.

إن التجربة “البورباكية” التي انطلقت في ثلاثينيات القرن الماضي لم تكن مجرد مشروع لإعادة بناء الرياضيات على أسس صارمة، بل كانت “هندسة مؤسسية” قائمة على مبدأ التجديد الحتمي. كان لزاماً على العضو أن يغادر المجموعة عند بلوغه سن الخمسين؛ فالتداول كان جزءاً أصيلاً من هوية المشروع، والمؤسسة كانت دوماً أهم من الأفراد. والأهم من ذلك، أن مؤسسي “بورباكي” اعتمدوا الكفاءة معياراً وحيداً، فاستقطبوا العقول الشابة اللامعة دون اعتبار للولاءات أو التراتبيات التقليدية. هذا الانفتاح، المقرون بآلية التجديد الإجباري، جعل المجموعة تحافظ على “شبابها الفكري” وإنتاجها المتجدد، وهو ما يفسر حصول خمسة من أعضائها على “ميدالية فيلدز”، أرفع جائزة في عالم الرياضيات.

وعندما ننتقل إلى الواقع المغربي في شقه الديني والعلمي، نجد نموذجاً مختلفاً جذرياً. فالمؤسسات المرجعية الكبرى يقودها أشخاص في مراحل عمرية متقدمة جداً، ويُنتظر منهم الاستمرار في إنتاج المعرفة وتوجيه السياسات الدينية. ففي “الرابطة المحمدية للعلماء”، و”وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية”، و”المجلس العلمي الأعلى”، نجد قيادات تجاوزت السبعين والثمانين، بل وحتى التسعين عاماً. هذا الطرح ليس حكماً على الأشخاص أو تقليلاً من قدرهم، بل هو وصف لبنية تنظيمية تجعل من تجديد الفكر وتداول الخبرة وصناعة نخب جديدة أمراً بالغ الصعوبة.

ولا يقتصر هذا التكلس على المؤسسات الداخلية، بل يمتد إلى واجهات المغرب في الخارج. فـ “المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة”، الذي يُفترض أن يكون مؤسسة فكرية مرنة تواكب التحولات المتسارعة في أوروبا، يبدو هو الآخر وكأنه “يغرد خارج الزمن”. إذ يعيد إنتاج نفس النموذج القائم على نخب متقدمة في السن، في ظل غياب واضح لآليات التداول أو استقطاب الكفاءات الشابة التي تفهم لغة العصر وسياق “مواطني العالم” في المهجر. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: كيف لمؤسسة تمثل “المغرب المعرفي” في أوروبا أن تؤدي دورها الحيوي وهي أسيرة بنية عمرية تعيق التجديد؟

إن الدرس البورباكي لا يخص الرياضيات وحدها، بل هو فلسفة في إدارة المعرفة: فالمعرفة لا تتجدد إلا بتجدد المؤسسات، والنخب لا تُصنع إلا بفتح الأبواب أمام الكفاءات الجديدة، والمؤسسات لا تتطور إلا حين تتجاوز سلطة الأفراد.

بين نموذج يجعل التجديد شرطاً للوجود، ونموذج يجعل الاستمرارية العمرية قاعدة ثابتة، يفتح هذا النقاش باباً واسعاً حول مستقبل إدارة المعرفة في المغرب. فإذا أردنا حقاً تجديد الفكر الديني والعلمي، فلا بد من الانتقال من “ثقافة الشيخ” إلى “ثقافة المؤسسة”، ومن “السلطة العمرية” إلى “السلطة المعرفية”. فالمستقبل لا يُصنع بإعادة تدوير الوجوه، بل بفتح المجال أمام طاقات جديدة قادرة على حمل المشعل والمضي بالمشروع نحو آفاق العصر.