منذ المسيرة الخضراء دخلت قضية الصحراء المغربية مرحلة جديدة عنوانها استرجاع الأقاليم الجنوبية وتثبيت السيادة الوطنية عبر مسار سياسي ودبلوماسي طويل تعزز بقرارات أممية متتالية كان آخرها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي كرس مقاربة الحل الواقعي والعملي القائم على التوافق وفي المقابل ظهرت جبهة البوليساريو في سياق السبعينيات بمبادرة من شبان مغاربة من مناطق الجنوب كطانطان قبل أن تجد نفسها لاحقا ضمن توازنات إقليمية معقدة وتحت تأثير الجزائر في عهد هواري بومدين وهو ما ساهم في تحويل مسارها من حركة احتجاجية محلية إلى نزاع إقليمي طويل.
بعد عقود من الجمود والمعاناة خاصة في مخيمات تندوف فوق ما يعرف بالحمادة برزت حركة صحراويون من أجل السلام بقيادة الحاج أحمد باريكلى كإطار جديد يطرح خطابا بديلا يقوم على الواقعية والحل السلمي مستندا إلى تَعَبٍ عامٍ داخل فئات واسعة من الصحراويين بعد حوالي خمسين سنة من الانتظار دون أفق واضح وقد نشأت الحركة في ظروف خاصة اتسمت بتراجع الخطابات التقليدية وصعود الحاجة إلى مبادرات مدنية أكثر مرونة.
تميزت هذه الحركة منذ بدايتها بقدرة تنظيمية لافتة حيث استطاعت استقطاب فئات واسغة من المجتمع الصحراوي شباب شيوخ نساء مثقفون مناضلون ومقاتلون سابقون ما منحها نوعا من التوازن بين الشرعية الاجتماعية والخبرة الميدانية كما أن حضورها في لقاءات دولية مثل ندوة لاس بالماس حول الحوار والسلام أعطاها بعدا خارجيا وفتح لها مجالا للتعريف بمقاربتها لدى فاعلين دوليين.
في هذا السياق برزت علاقة الحركة بشيوخ القبائل كأحد مفاتيح الفهم إذ أن هؤلاء الشيوخ يمثلون سلطة رمزية وتاريخية داخل المجتمع الصحراوي وينظر إليهم كمرجعية في القضايا الاجتماعية وحتى السياسية انخراط شخصيات مثل عميد شيوخ القبائل الشريف الشيخ عبد اللطيف بيرة يعكس هذا التقاطع خاصة وأن العلاقات بين بعض قيادات الحركة وأسر ذات امتداد قبلي عريق مثل اسرة أهل بيرة ساهمت في بناء جسور الثقة بسرعة نسبية.
بالنسبة للحركة فإن الاستفادة من الشيوخ تتجلى أساسا في اكتساب الشرعية المحلية لأن أي مشروع سياسي في الصحراء لا يمكن أن ينجح دون غطاء اجتماعي قبلي كما يوفر الشيوخ للحركة شبكة تواصل فعالة داخل المجتمع وقدرة على التهدئة وبناء التوافق إضافة إلى عمق ثقافي يعزز خطابها ويجعله أكثر التصاقا بهوية الاقاليم الصحراوية على المحيط الاطلسي وشرق الجدار.
أما الشيوخ فيمكنهم بدورهم الاستفادة من الحركة عبر توسيع هامش حضورهم في النقاش السياسي خاصة في ظل بروز فاعل جديد يمنحهم منصة إضافية للتعبير عن مواقفهم كما أن انخراطهم ولو بشكل غير مباشر يمكن أن يعزز دورهم كوسطاء بين مختلف التوجهات ويعيد تثبيت مكانتهم داخل مجتمع يشهد تحولات متسارعة.
بالنسبة للمملكة المغربية فإن وجود حركة من هذا النوع مدعومة من شيوخ القبائل يعزز الطرح القائم على الحل السياسي الواقعي ويظهر أن هناك تعددية في التمثيل داخل المجتمع الصحراوي وليس صوتا واحدا كما يساهم ذلك في تقوية المقاربة التي تعتمد على إدماج الفاعلين المحليين ويمنح بعدا اجتماعيا لمبادرات الدولة في الأقاليم الجنوبية.
أما الصحراويون أنفسهم سواء داخل الأقاليم الجنوبية أو في المخيمات فقد يستفيدون من هذه الدينامية عبر فتح نقاش أوسع حول مستقبلهم وكسر حالة الجمود وإبراز أصوات جديدة تدعو للحل السلمي بدل استمرار الصراع كما أن تلاقي الحركة مع الشيوخ يمكن أن يخلق أرضية للتقريب بين وجهات النظر خاصة إذا تم توظيف هذا التقاطع في اتجاه التهدئة وبناء الثقة بدل تعميق الانقسام.
وفي الختام يمكن القول إن بروز حركة صحراويون من أجل السلام لا يمثل فقط إضافة عددية في مشهد سياسي معقد بل يعكس تحولا نوعيا داخل المجتمع الصحراوي نفسه حيث بدأت تظهر ملامح دينامية جديدة عنوانها كسر الصمت وفتح المجال أمام تعددية الآراء لقد أصبح من الواضح أن فئات واسعة من الشباب والرجال والنساء باتت تعبر عن مواقفها بجرأة أكبر وتتجاوز ذلك الإطار الضيق الذي حاول البعض حصرها فيه لسنوات بدعوى الوصاية أو احتكار التمثيل هذه الجرأة المتزايدة في التعبير وما رافقها من ارتفاع في منسوب النقاش العمومي تحسب بدرجة كبيرة لهذه الحركة التي ساهمت في رفع سقف المبادرة وشجعت على البوح وإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول المستقبل ومن هنا فإن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في مشروعها السياسي بل أيضا في قدرتها على تحرير الكلمة داخل المجتمع الصحراوي وفتح نقاش هادئ ومسؤول يمكن أن يشكل خطوة أساسية نحو بلورة حلول أكثر واقعية وتوافق