منتدى العمق

بعض إشكالات الزواج بالمغرب

الكثير من المتدينين يزعجهم حال الشارع والمجتمع لما يرون فيهما من مظاهر الانحراف وأمور كثيرة ليست على ما يرام، والواقع يظهر أن المشكل الأكبر يوجد داخل الأسر، وما الفساد الذي نراه في المجتمع والواقع إلا انعكاس لفساد أكبر يقع داخل الأسر. إذا أردتم إصلاح المجتمع والواقع فأصلحوا الأسر، واحرصوا على الكفاءة الاجتماعية والثقافية والمادية أثناء تزويج أبنائكم وبناتكم، وإلا فانتظروا التفكك الأسري، والأسوأ. لا معنى لدخول كل من الشباب والشابات لمؤسسة الزواج بدون سابق تأهيل.

الزواج المؤسس بنيانه على تقوى من الله وابتغاء مرضاته أكيد سينجح، وإذا كان كلا الزوجين تجمعهما أهداف نبيلة مشتركة في الحياة، ولهما قرب في التصورات والرؤى للحياة، ويفهمان حاجيات بعضهما، والهدف من زواجهما من البداية، ويعرف كل منهما حقوقه وواجباته، ويعرفان بعض عن قرب، ويعلمان طباع بعضهما وقدرات كل واحد منهما، وإذا كان الهدف الذي سيجمعهما الإحصان في زمن الفتن والاستمتاع ببعضهما، وكان كل واحد منهما كبيرا في عين الثاني، ويحبان إكمال حياة مشتركة معا في جو تسوده المحبة والسكينة والرحمة، فلا بأس بأن يتخذ الشاب الراغب في الزواج – بمن يحب – الإجراءات الشرعية والقانونية من رؤية من يرغب في الزواج منها، وخطبتها، وتوثيق هذا الزواج المبارك حتى تصبح زوجته شرعا وقانونا.

من الأسباب التي تجعل عددا كبيرا من الشباب يعرضون عن الزواج هو غلاء المهور من طرف والدي الشابة التي ترغب في الزواج، رغم أن النبي عليه السلام يقول: “أقلهن صداقا أكثرهن بركة”. وللأسف، كثيرا من الميسورين خصوصا يجدون في تزويج بناتهم فرصة كي يكلفوا المتقدم لخطبة ابنتهم ما لا يطيق من المصاريف، رغم أنه في بداية حياته، وعندما يرهقونه بكثرة النفقات والمطالب مقابل تزويجه بابنتهم، يختلق عدة أعذار ليبتعد عن مثل هذه العائلات المادية التي تتاجر ببناتها.

لن ينجح زواج أبدا إذا كان من أجل إبرام صفقة تأخرت بين مقاولين، تمريرها لن يحدث إلا نتيجة تقارب عائلي دون استحضار اختلاف طبائع الزوجين اللذين لا يجمعهما أي شيء مشترك. إذا لم يقع إعجاب بين الزوجين، ويتوفر كل منهما على مؤهلات ومواهب ومهارات تجعله ينجذب بشدة اتجاه من يرغب في التزوج بها، وتجمعهما آمال وأحلام مشتركة، فأكيد لن ينجح هذا الزواج. ولا أعلم لماذا الشاب عندما يفكر في الزواج يترك مدينته ويبحث عن شريكة الحياة في مدينة أخرى؟ الشيء الذي سيجعله لا يعرف شيئا عن أصلها وفصلها، ولا أي شيء عنها. والأصل أن يتزوج الشخص في المكان المتواجد فيه، لأنه يعرفه جيدا ويعرف تفاصيله.

الزواج أمر إلهي وسنة نبوية للقادرين عليه، وكلما تربى الزوجان على مائدة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وكانا متدينين، وينهلا من عصر النبوة والصحابة، وهدي السلف الصالح، وآخذين بأسباب التفوق والذكاء والنباهة، وقريبين من عصرهما، فأكيد هذا الزواج سيكتب له النجاح، شريطة مراعاة الكفاءة بينهما في كل شيء، لأن الزواج لا ينبغي أن يبنى على العاطفة فقط. الزواج قسمة ونصيب، لكن اختيار الأفضل في كل شيء أمر محمود. الحرص على التزوج بالصالحة والمؤمنة التقية والموافقة وذات الخلق والدين أمر جيد، لكن للأسف حتى كثيرا من المتدينين أصبحوا حريصين على تزويج بناتهم من الميسورين، ويعرضون عن متوسطي الدخل، وهذا ينم عن حبهم للدنيا ومخالفتهم الصريحة لحديث النبي عليه السلام: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير”.

لا ينبغي أن يتحول الزواج إلى حقل تجارب، خصوصا عند الميسورين وبعض المهاجرين، حيث الكثير منهم يتزوجون شهرين ويطلقون نساءهم على أمل الزواج مرات عديدة، ما داموا يؤمنون أن المال يحقق لهم كل ما يريدون. الزواج احترام متبادل بين زوجين محبين لبعضهما، وعندهما رغبة عميقة في البقاء مع بعضهما طول الحياة، ما لم يحدث عذر قاهر يحول دون استمرار هذا الزواج.

لن تتحسن العلاقات داخل الأسر ما لم نحتكم لشرع الله في كل شؤوننا، ونطبق مبادئ الدين في حياتنا، كالمحافظة على الصلوات جماعة وفي المسجد، ولبس الشابات أثناء خروجهن من البيوت للزي الإسلامي الذي لا يصف ولا يكشف، ولا يشف عما تحته، حتى لا يكن مصدر فتنة وغواية وإغراء للشباب الذي ليس له القدرة على الزواج، وبدل أن يكون الزوج سيكون اللص.

لن ترجع أسرنا إلى جادة الصواب ما لم يؤد كل أفرادها الصلاة في وقتها، وتتصف بيوتنا بالهدوء، وتكون مصدرا للطمأنينة. إذا غابت السكينة والمودة والرحمة والكلام الراقي والاحترام المتبادل داخل البيت، فأكيد أي عاقل لن يقبل العيش في جو غير آمن، وفيه كثرة الصراخ والكلام الساقط والفوضى العارمة واللاإحترام، وغالبا سيكون حينذاك الشارع أرحم بكثير من هذا البيت الفاسد الذي لم يؤسس على تقوى من الله ورضوان.

الزواج الناجح من تجد طرفيه يعشقان القراءة ومدمنان عليها، وعينهم على مكتبة البيت أكثر من اهتمامهم بدولاب الأواني والصحون. البيت المسلم يكون مملوءا حبا وسكينة وأدبا واحتراما متبادلا بين الزوجين وكل أفراد الأسرة.

للذين ينتقدون الواقع وما يحدث في الشارع أقول لهم: بدل ذلك ارجعوا إلى الأسر، وستعرفون سبب فساد المجتمع. عندما يكون تفكك أسري – والذي سببه غياب الكفاءة بين الزوجين وغياب تأهيل قبلي للزواج – وتطاحن داخل الأسر وصراع لا منتهى له، إضافة إلى تسكين للوضع عند الذهاب إلى القضاء مرارا، رغم أن لهذا الأخير أدوات ووسائل ناجعة عند استحالة الحياة بين الزوجين، لحل هذه الأسرة التي لا تملك مقومات الاستمرار بالمرة، خاصة أن كل المؤشرات تبين اختلاف الطبائع والمرجعيات والتصورات والمشارب وغياب الكفاءة بينهما. لا أعرف لماذا الدولة المغربية غير قادرة على إنصاف أحد الزوجين إذا تبين لها بالحجج والدلائل أن الطرف الآخر هو سبب كل المشاكل التي يعاني منها أحدهما والأسرة بأجمعها؟

الطريق إلى بناء مجتمع متماسك وقوي هو الرجوع إلى تقوية مؤسسة الأسرة، برفض الدولة انعقاد أي زواج لا تتوفر فيه الكفاءة ولم يسبقه تأهيل قبلي، وهذا الأخير مفروض من الدولة أن تبادر به، ويعرف كلا الزوجين مسبقا حقوقهما وواجباتهما، وتكن للمحكمة الجرأة لإيقاف أي زواج فورا إذا تبين لها عدم نجاعة استمراريته، مع البت فيه فورا.

عند توقف أحد الزوجين عن أداء واجباته، مثل الامتناع عن المعاشرة الزوجية وإهمال نظافة البيت وإعداد الوجبات في الوقت المتفق عليه، وعند غياب الاحترام اللازم توفره بالبيت والهدوء، وبانعدام الأمن ببيت الزوجية، وعند غياب الثقة وترتيب كل شيء في مكانه، وعندما يكون هم الزوجة تمضية الأوقات الطويلة رفقة جاراتها متناسية حقوق زوجها ومتطلباته، حينذاك يجب على الزوج العاقل أن يبحث عن حياة جديدة يقدر فيها ويسمع له مثل بقية خلق الله، ولا معنى للاستمرار في حياة معينة يوجد فيها تمرد على كل كلامه.

حينما يغيب التفاؤل والأمل والحب والابتسامة المتبادلة بين أفراد الأسرة، وتغيب فيها الشعائر التعبدية، ويخيم الحزن والنكد والخصام الدائم، ويتلفظ بعض أفرادها بالكلام النابي والساقط على الدوام وكلام السوء لإغاظة الطرف الآخر، فلا جدوى من وجودها، إذ ستخرج لنا أبناء يتقنون سب الآخر وشتمه فقط.

الزواج انسجام وحب متبادل عميق تقويه العقيدة الإسلامية، وهو عفاف على عفاف، وليس عفافا على كثير من الفجور والمنكرات وانتهاك الأعراض في الحرام. الزواج يحدث بعد استخارة الله سبحانه والتوبة إليه، واستشارة المؤمنين بالله حقيقة ليدلوك على الصالحات والتقيات ومن فيهن الحياء والعفة والأمانة والاحتشام عن الأجانب، والناجحات اللواتي يعشقن عبادة الله، ولسن عابثات، واللواتي يعشقن القراءة والمدمنات عليها. لا معنى للاستمرار في حياة لم تخترها أنت، بل موجودة كما يريدها الآخرون، إذ ذلك يعتبر تآمرا عليك وكيدا وقسمة ضيزى من الخصوم والأعداء، ولا يجب أن تقبلها تحت أي ظرف.