تعد الأراضي السلالية واحدة من أكثر الملفات العقارية تعقيدا وإثارة للنقاش في المغرب، بالنظر إلى امتدادها التاريخي الواسع، وحساسيتها الاجتماعية، وتشابكها مع قضايا التنمية المحلية والسكن والاستثمار.
فهذه الأملاك، التي تدبر وفق أعراف قبلية ونصوص قانونية حديثة، أصبحت في السنوات الأخيرة محور توتر متزايد بين ذوي الحقوق والسلطات الوصية والجماعات الترابية، خاصة مع تصاعد الطلب على العقار وتزايد الضغوط المرتبطة بالتوسع العمراني والمشاريع العمومية.
وفي هذا السياق العام، يبرز ملف الجماعة السلالية أفرا بإقليم طاطا كنموذج دال على هذا الإشكال المركب، حيث تتقاطع فيه الاعتبارات القانونية مع الأولويات الاجتماعية والخلافات حول تدبير الأرض.
وكشفت مذكرة ترافعية مفصلة صادرة عن نواب الجماعة السلالية أفرا بإقليم طاطا، عن مسار إداري وقانوني طويل يرتبط بالعقار الجماعي المعروف بـ”أفرا”، والذي تبلغ مساحته حوالي 19 ألف هكتار، ويخضع للتحديد الإداري رقم 484 DA، بموجب مرسوم وزاري يعود إلى سنة 2010، نُشر في الجريدة الرسمية عدد 5839 بتاريخ 17 ماي 2010.
وبحسب المعطيات الواردة في المذكرة التي حصلت عليها جريدة ا”لعمق المغربي”، فإن هذا المرسوم شكل نقطة الانطلاق الرسمية لمسطرة التحديد الإداري للعقار الجماعي التابع لدواري أكادير الهناء وأكجكال، قبيلة تسوسخت، حيث تم إدراجه ضمن الأملاك الجماعية الخاضعة لمقتضيات القانون 63.17 المتعلق بتدبير أراضي الجماعات السلالية، الصادر سنة 2019، والذي نسخ الإطار التشريعي السابق لسنة 1924.
وتؤكد هذه المذكرة المتضمنة لعدد كبير من الوثائق أن هذا التحديد الإداري رسّخ الطابع الجماعي للعقار، مع غياب أي حقوق خصوصية أو استغلال فردي قانوني داخله، ما جعله خاضعاً بالكامل للوصاية الإدارية في إطار قانوني خاص.
غير أن المسار الإداري للعقار، وفق نفس المصدر، لم يمر دون تعقيدات، إذ فُتحت آجال التعرضات ما بين 30 أبريل 2014 و26 أكتوبر 2014، تلتها مرحلة تأكيد التعرضات إلى غاية يناير 2015، وهي مرحلة أسفرت عن حصر لائحة المتنازعين وتحديد طبيعة النزاعات المرتبطة بالعقار، قبل إغلاق المسطرة وفق الآجال القانونية المعمول بها في هذا النوع من الملفات العقارية.
لكن التطورات اللاحقة، بحسب نواب الجماعة، أعادت الملف إلى واجهة التوتر، بعد صدور قرار عاملي يتعلق بإنشاء وحدة لتخزين الغاز المسيل فوق جزء من العقار، بناء على طلب استند إلى عقد بيع اعتبره النواب “باطلا من الأساس”.
هذا القرار، كما تشير المذكرة، لم يقتصر على الإجراء الإداري، بل تم تعميمه واستعماله كمرجع لإصدار رخص بناء ومشاريع إضافية فوق نفس الوعاء العقاري، ما اعتبرته الجماعة السلالية تجاوزا لمقتضيات التحديد الإداري ولمبدأ حماية الأملاك الجماعية.
وفي مقابل ذلك، تسجل الوثيقة الترافعية تدخل وزارة الداخلية في أكثر من مرحلة، من خلال مراسلات وإجراءات إدارية وقانونية، انتهت إلى توجيه مسار الملف نحو القضاء، الذي أصدر حكماًببطلان عقد البيع الذي بُنيت عليه بعض الإجراءات، وهو ما اعتبره النواب إعادة الأمور إلى إطارها القانوني الصحيح.
وتطرح هذه التطورات، وفق القراءة التي تقدمها المذكرة، إشكالا عميقا في طبيعة العلاقة بين السلطة الوصية والسلطة الإقليمية، خصوصا في ما يتعلق بتأويل النصوص المنظمة لأراضي الجماعات السلالية، وحدود التدخل الإداري في مشاريع ذات طابع تنموي أو استثماري فوق أراضٍ ذات وضع قانوني خاص.
وتستند المذكرة في تأطير موقفها إلى مقتضيات دستورية وقانونية، من بينها الفصول 19 و35 و42 من دستور المملكة التي تضمن حماية الملكية، إضافة إلى مقتضيات مدونة الحقوق العينية، التي تنص على أن حق الملكية لا يُقيد إلا بموجب القانون، فضلا عن الإشارة إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية لسنة 2007، في ما يتعلق بضرورة التشاور المسبق مع ذوي الحقوق قبل اتخاذ قرارات تمس ممتلكاتهم.
وفي سياق متصل، أشار نواب الجماعة السلالية أفرا بإقليم طاطا إلى سلسلة مراسلات وإنذارات متبادلة بين نواب الجماعة والسلطات المحلية، خصوصا بعد طرح مشروع إحداث ملعب للقرب فوق جزء من العقار الجماعي، حيث عبر النواب عن تحفظهم على المشروع، معتبرين أن الأولوية يجب أن تعطى لتلبية حاجيات السكن والاستقرار وتمكين ذوي الحقوق من الاستفادة المباشرة من أملاكهم الجماعية.
غير أن هذا الموقف قوبل، بحسب المذكرة، بإنذار إداري اعتبره النواب تصعيدا في التعامل مع مؤسسة النائب، في وقت يؤكدون فيه أنهم يمارسون مهامهم في إطار القانون والوصاية الإدارية، ووفق ما تقتضيه النصوص المنظمة لتدبير أراضي الجموع.
وخلص نواب الجماعة السلالية أفرا في مذكرتهم الترافعية إلى أن ملف أراضي “أفرا” يعكس إشكالا أوسع مرتبطا بتدبير العقار السلالي في المغرب، حيث تتقاطع اعتبارات التنمية والمصلحة العامة مع ضرورة احترام المساطر القانونية وحماية حقوق ذوي الحقوق، في سياق يتسم بتزايد الضغط على العقار وتعدد المتدخلين في تدبيره.
هذا، ويطالب سكان المنطقة بضرورة إرساء مقاربة تشاركية شفافة في تدبير الأراضي السلالية، تقوم على الحوار والتوافق، بما يضمن الاستقرار ويحمي حقوقهم التاريخية.
تعليقات الزوار
جماعة سلالية ضابطة للقانون وتحترم مواده المرتبطة بالعقار السلالي