إذا كان لكل بلدٍ رائحة تميز هويته، فإن رائحة المغرب، في أقصى قراه وأعرق مدنه، هي بلا شك رائحة “السرغينة”. تلك الجذور المتواضعة التي تسكن أعالي جبال الأطلس وفجاج الجنوب، لتتحول في “مجامر” المغاربة إلى لغةٍ صامتة تحكي قصص الشفاء، والاحتفاء بالحياة.
من أعالي القمم إلى كفّ العطار: رحلة الصبر
”تسرغينت”، كما يسميها الأمازيغ، ليست مجرد نبتة برية، بل هي “ذهبٌ” يستخرجه القرويون من باطن الأرض بصبرٍ كبير، فرحلة البحث عنها تبدأ في السهوب الجافة ومنحدرات الجبال، حيث يقتفي “العشّابون” أثر خضرتها ليعودوا بجذورها التي تُغسل وتُجفف تحت شمس الجنوب الحارقة.
خلف كل حفنة من السرغينة نشتريها، عرقُ نساءٍ ورجال قطعوا مسافات لجمعها، لتكون هذه النبتة هي الاقتصاد الخفي الذي يُعيل بعض البيوت في “المغرب المنسي”، ويحول وعورة التضاريس إلى مصدر رزقٍ معطر.
”كيمياء” الروح والجسد: أكثر من مجرد بخور
في الموروث الشعبي المغربي، تتجاوز السرغينة كونها “بخوراً” لتطرد الروائح، فهي “كيمياء” قائمة بذاتها:
صيدلية الفقراء: في القرى، تُعد السرغينة خط الدفاع الأول ضد “البرد”. تُبخر بها الغرف لتطهير الهواء، وتُستخدم جذورها في خلطات “المساخن” لتدفئة العظام، وكأنها تستمد قوتها من صلابة الأرض التي نبتت فيها.
سرّ العروس: لا يكتمل “حمام العروس” المغربية دون السرغينة. تُطحن وتُخلط مع الحناء والورد لتمنح الجسد طيباً لا يزول لأيام، مما يجعلها رمزاً للجمال الفطري البعيد عن مستحضرات التجميل الكيماوية.
طقوس البركة: من “السبوع” إلى “ليلة القدر”، تحضر السرغينة لتعلن عن قدسية اللحظة، هي النبتة التي توحد الجميع؛ فدخانها لا يفرق بين بين الفقير والغني .
سنة المطر: حين يفيض العطر من جديد
مع هطول الآمطار التي شهدتها بلادنا هذا العام، استبشر جامعو السرغينة خيراً، فالمطر لا يحيي الزرع فقط، بل يمنح هذه النبتة البرية “نفساً” جديداً، لتأتي جذورها هذا الموسم غنية بالزيوت العطرية والفوائد الطبية، إنها دعوة للطبيعة لتعوض هؤلاء القرويين عن سنوات الجفاف، ولتفوح “تسرغينت” في بيوتنا برائحة الأرض المرتوية.
دعوة لرد الاعتبار لـ “ذهبنا البري”
نبتة السرغينة هي رمز للصمود القروي، نحن اليوم مدعوون لحماية هذه الثروة من الاستغلال العشوائي، وتثمينها كمنتج مغربي خالص يمكن أن يغزو الأسواق العالمية للعطور والطب الطبيعي.
إن “السرغينة” هي ذاكرتنا المشمومة، وقصة حب بين القروي وترابه، وحين تضعون قطعة منها فوق الجمر، تذكروا أنها ليست مجرد دخان يتصاعد، بل هي زفرة أرضٍ طيبة، وعرق جبينٍ لم ينحنِ إلا ليحفر في الصخر بحثاً عن لقمة العيش.