منتدى العمق

أزمة معنى

في العقد الأخير، لم يعد الحديث عن تراجع مستوى التلاميذ المغاربة مجرد انطباع عابر أو شكوى موسمية داخل الأقسام، بل تحول إلى ظاهرة بنيوية تنخر المدرسة العمومية في العمق. نحن أمام جيل ينسحب بصمت من العملية التعليمية، لا عبر الانقطاع الدراسي أو الهدر المدرسي فقط، بل عبر “حضور شكلي” يخفي غيابا ذهنيا وتربويا مقلقا.

أبرز مظاهر هذا التراجع يتجلى في انعدام الرغبة في التعلم. التلميذ لم يعد يرى في المدرسة أفقا للارتقاء الاجتماعي والفكري، بل فضاء مفروضا عليه، مملًا، منفصلا عن واقعه. كيف ننتظر من متعلم أن يقبل على الدراسة وهو يرى حوله نماذج للنجاح لا تمر عبر المدرسة، بل عبر الصدفة، أو الروتين اليومي، أو “الفرص السريعة” التي يروج لها العالم الرقمي ومنصات العالم الافتراضي؟ لقد انهارت صورة المدرسة كرافعة للترقي، ومعها انهار الدافع الداخلي للتعلم.

ثم تأتي ظاهرة الغياب المتكرر، التي لم تعد استثناء، بل قاعدة في كثير من المؤسسات. غياب بدون مبرر، بدون حسيب أو رقيب، في ظل ارتباك إداري وتطبيع خطير مع الظاهرة يفرض نفسه. التلميذ أصبح يدخل ويخرج من المؤسسة كما يشاء، وكأن الأمر يتعلق بفضاء ترفيهي لا بمؤسسة تربوية. هذا الغياب ليس مجرد رقم في سجل، بل هو مؤشر على تفكك العلاقة بين التلميذ والمدرسة.

أما غياب الأدوات ودفاتر الدروس، فهو ليس مجرد إهمال بسيط، بل تعبير صارخ عن القطيعة مع الفعل التعليمي. كيف يمكن الحديث عن تعلم بدون أدوات؟ كيف نطلب من تلميذ أن يكتب ويحلل وهو لا يحمل حتى أبسط وسائل الاشتغال؟ إنها حالة من “اللامبالاة المؤسسية” التي تترجم يوميا داخل القسم ويصطدم بها المدرس في حالة من التيه بين الصرامة وقيود المذكرات.

الأخطر من ذلك هو رفض التوجيهات التربوية للأساتذة. لقد تآكلت سلطة الأستاذ بشكل مهول، ليس فقط بفعل سلوك التلاميذ، بل أيضا بسبب خطاب مجتمعي وإعلامي يفرغ مهنة التدريس من هيبتها ويذل المدرس إذلالا. التلميذ اليوم يجادل، يرفض، يستهزئ، دون أي شعور بالمسؤولية أو احترام قواعد التعلم. وهنا لا نتحدث عن “نقد إيجابي” أو “تفاعل تربوي”، بل عن فوضى سلوكية تقوض كل مجهود بيداغوجي.

هذا الوضع ليس معزولا عن سياقه، بل هو نتيجة تراكمات عميقة:
* أسرة منهكة أو غائبة، لم تعد قادرة على القيام بدورها الأسري وحتى ان حضرت للاستفسار تأتي مسلحة بخطاب تبريري أو للدفاع عن أبنائها.
* منظومة تعليمية مرتبكة، تتخبط في إصلاحات متتالية دون أثر ملموس.
* إعلام ومنصات رقمية تقدم نماذج سطحية للنجاح، تغري التلميذ بالهروب من مسار التعلم.

بعبارة صريحة: نحن أمام أزمة معنى قبل أن تكون أزمة مستوى. التلميذ لم يعد يفهم لماذا يدرس، والأستاذ لم يعد يملك الأدوات الكافية لإقناعه، والمدرسة فقدت قدرتها على الإغراء.
إن الاستمرار في تجاهل هذا النزيف هو شكل من أشكال التواطؤ الصامت. المطلوب ليس ترقيعات ظرفية، بل إعادة بناء الثقة في المدرسة، عبر رد الاعتبار للأستاذ، بمذكرات صريحة تخدم المدرسة و ربط التعلمات بالحياة الواقعية، تفعيل الصرامة التربوية، وإشراك الأسرة بشكل فعال.

تعليقات الزوار