احتضن المركز الوطني للتوثيق التابع لـالمندوبية السامية للتخطيط، يوم الخميس 23 أبريل 2026 بالرباط، لقاءً استراتيجيًا تحت شعار «من المعلومة إلى الأثر: الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة روافعَ استراتيجية»، بمشاركة ثلة من الخبراء والباحثين وصانعي القرار والشركاء المؤسساتيين من القطاعين العام والخاص.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في سياق دولي أصبحت فيه البيانات العمومية أصلًا استراتيجيًا للدول، وسياق وطني ينخرط فيه المغرب عبر فتح المعطيات العمومية وتشجيع إعادة استعمالها وترسيخ ثقافة البيانة لدى المؤسسات والمواطنين، إلى جانب الدينامية المتنامية في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث شكلت هذه التظاهرة فضاءً للتفكير والبناء المشترك حول رؤية توفق بين الابتكار وجودة المعطيات وحماية الحياة الخاصة والسيادة الرقمية.
وأكد مدير المركز الوطني للتوثيق، أنس السماعيلي، أن الذكاء الاصطناعي يستدعي تدبير المعرفة، وهي خبرة راكمها المركز منذ عقود لإنتاج نتائج موثوقة، مبرزًا أن القيمة الحقيقية لهذه التكنولوجيا تكمن في المجال الفاصل بين المعطى الخام والمعرفة النافعة، مضيفًا أن تلاقي البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد توجه ناشئ، بل أضحى واقعًا بنيويًا يعيد رسم ملامح الحكامة العمومية وإنتاج المعرفة.
من جانبه، قدم الأستاذ محمد خليل، أستاذ بـجامعة الحسن الثاني، بانوراما استراتيجية للذكاء الاصطناعي بالمغرب من خلال قراءة في المشهد الوطني، مؤكدًا أن المملكة تمتلك المقومات الموضوعية للانخراط الكامل في هذه الموجة التكنولوجية، شريطة بناء حكامة وطنية متكاملة وتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري والبنيات التحتية الرقمية السيادية.
بدوره، أبرز الدكتور قيس الحمامي، مدير مركز الاستشراف والذكاء الاصطناعي بـالإيسيسكو، الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات الاستشراف لدى المؤسسات العمومية، مشيرًا إلى أن «الاستشراف المسند بالذكاء الاصطناعي يمكن صانع القرار من استباق التحولات بدل الاكتفاء بتدبير تبعاتها»، ومؤكدًا أن قوة أي أداة استشرافية تظل رهينة بمتانة بنيات المعطيات التي تتغذى عليها.
واستعرض الأستاذ كريم باينة، عميد المدرسة العليا للمعلوماتية والرقميات بـجامعة الرباط الدولية، الشروط المؤسسة للثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، موضحًا أن «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة لا يختزل في بعد تقني، بل هو التزام أخلاقي وقانوني ومؤسساتي متكامل»، يستدعي إطارًا للحكامة يواكب دورة حياة النموذج من التصميم إلى النشر.
كما شدد الأستاذ وسيم قرقشو، مدير مختبر TICLab بالمدرسة العليا للمعلوماتية والرقميات بجامعة الرباط الدولية، على أهمية المقاربات المقتصدة في موارد الحوسبة والطاقة والبيانات باعتبارها مدخلًا عمليًا للسيادة الرقمية، موضحًا أن «النماذج المحلية المقتصدة، وإن كانت أصغر حجمًا، توفر استقلالية حقيقية وتحكمًا فعليًا في المعطيات، أكثر مما توفره النماذج العملاقة المستوردة»، ما يجعلها خيارًا استراتيجيًا للإدارات العمومية.
وفي السياق ذاته، سلط مراد المهجوبي، الرئيس المدير العام ومؤسس شركة NEONOVIA، الضوء على أن كل استراتيجية للذكاء الاصطناعي تقاس بقدرتها على التحول إلى خدمات ملموسة لفائدة المرتفقين.
من جهته، عرض محسن لخديسي، الشريك المؤسس لـAI Crafters والباحث والمستشار في مجال الذكاء الاصطناعي، مجموعة من حالات الاستعمال ذات الأثر الملموس على السياسات العمومية، مؤكدًا أن «الأولوية ينبغي أن تمنح لحالات الاستعمال الواضحة الأثر والقابلة للتعميم».
واختتم هذا اللقاء الاستراتيجي بتوقيع اتفاقيتي شراكة، الأولى مع المدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم، والثانية مع كلية الرقميات والهندسة المعمارية بـجامعة الرباط الدولية، حيث تتمحور الاتفاقيتان حول إنجاز مشاريع مشتركة تروم إدماج ذكاء اصطناعي مسؤول في خدمة البيانات المفتوحة.
وتشكل هاتان الشراكتان محطة جديدة في المسار الذي يرسمه المركز الوطني للتوثيق، انسجامًا مع رؤية المندوبية السامية للتخطيط، من أجل جعل البيانات المفتوحة والذكاء الاصطناعي رافعتين لتحديث الفعل العمومي وإنتاج معرفة ذات أثر في خدمة المواطن.