افتتاحية المقال
تتجاوز الوساطة الباكستانية القائمة حالياً بين واشنطن وطهران التوصيفات الدبلوماسية الكلاسيكية، لتتموضع ضمن إطار “الدبلوماسية الوقائية” المحكومة بضرورات الجيوبوليتيك في منطقة أوراسيا والشرق الأوسط. إن استمرار هذه الوساطة في اللحظة الراهنة، لا يعكس رغبة في تقريب وجهات النظر فحسب، بل يجسد حالة من “الارتباط الاستراتيجي” الذي تفرضه وحدة المجال الجغرافي وتداخل الهواجس الأمنية بين الأطراف الثلاثة؛ حيث تبرز إسلام آباد كفاعل إقليمي “مركزي” يمتلك القدرة على هندسة التوازنات الصعبة في ظل بيئة دولية شديدة الاستقطاب.
وينطلق التمسك الدولي بهذه الوساطة من إدراك واشنطن وطهران على حد سواء بأن باكستان ليست مجرد “وسيط محايد”، بل هي طرف ذو مصلحة وجودية في نزع فتيل الصدام؛ فاستقرار العمق الإيراني يعد ركيزة للأمن القومي الباكستاني في مواجهة مشروع “التطويق” الإقليمي، كما أن الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة تظل متغيراً حاكماً في العقيدة الدفاعية الباكستانية. بناءً على ذلك، تكتسب هذه الوساطة شرعيتها من قدرة المؤسسة العسكرية الباكستانية على تقديم ضمانات أمنية ملموسة، وتحويل الجغرافيا السياسية من مصدر للتهديد إلى “جسر استراتيجي” لإدارة الأزمات الكبرى، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول آفاق نجاح هذا الدور في إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية بعيداً عن منطق المواجهة الصفرية.
المقال:
تستمد باكستان أهليتها للوساطة من عمق تاريخي وجيوسياسي فريد بدأ منذ فجر استقلالها، حيث انخرطت مبكراً في “حلف بغداد” عام 1955، إلى جانب العراق الملكي وتركيا وبريطانيا؛ ليكون خط الدفاع الأول ضد المد الشيوعي، مما رسخ مكانتها كحليف أمني موثوق للغرب في آسيا الوسطى. ورغم تقلب العلاقات مع واشنطن في مراحل لاحقة، إلا أن الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 أعاد تقديمها كركيزة لا غنى عنها للأمن القومي الأمريكي، وهو الإرث الذي استعاد بريقه بقوة في أعقاب الانسحاب الفوضوي للقوات الأمريكية من كابل عام 2021 في عهد إدارة جو بايدن؛ حيث أدركت واشنطن أن غياب الشريك الباكستاني الميداني يترك فراغاً استراتيجياً لا يمكن ملؤه لمواجهة تهديدات طالبان والجماعات الإرهابية.
إن الكفاءة العسكرية الاستثنائية التي أظهرها الجيش الباكستاني، لاسيما في المواجهات الميدانية والجوية مع الجيش الهندي في فبراير 2019 وما تلاها من مناوشات حاسمة عام 2025، جعلت الإدارة الأمريكية ترى فيها قوة احترافية قادرة على لجم النفوذ الصيني المتمدد وإحلال السلم في المنطقة بفضل نخبتها العسكرية التي تحظى باحترام واسع في الدوائر الأمنية بواشنطن. وقد تجلى هذا القبول الدولي في انخراط إسلام آباد في مفاوضات “مجلس السلام” المتعلق بالأوضاع في غزة عام 2024، مما عكس قدرة القيادة العسكرية الباكستانية على التأثير في ملفات خارج نطاقها الجغرافي المباشر بتنسيق عالٍ مع الولايات المتحدة، وهو ما وطد أواصر الثقة العميقة بين البلدين.
تبرز شخصية الجنرال عاصم منير كحجر زاوية في هذه الوساطة، حيث ينظر إليه في واشنطن كقائد حازم ومناور استراتيجي بارع، حتى أن الرئيس ترامب وصفه بـ “الجنرال المفضل” في باكستان نظراً لتوافق رؤيتهما حول ضرورة استقرار الشرق الأوسط وجنوب آسيا. وتبرز رغبة منير في الوساطة أيضاً لتأمين الجبهة الداخلية ومنع انفجار صراع ثالث على الحدود مع إيران قد يستغله الانفصاليون لإحياء مشروع “دولة بلوشستان”، وهو تهديد وجودي تحرص إسلام آباد على إخماده عبر الوساطة الدبلوماسية بدلاً من الصدام العسكري الذي قد يشتت جهود الجيش أمام التهديد الهندي الدائم.
من المنظور الإيراني، تكتسب باكستان أهميتها كوسيط من خلال تقاطع الهواجس الأمنية المشتركة تجاه الوجود الإسرائيلي المتنامي في المنطقة؛ حيث تدرك إسلام آباد وطهران أن إسرائيل باتت موجودة فعلياً على حدود باكستان عبر تحالفها العسكري والتقني مع الهند، كما أنها توغلت في أذربيجان لتطويق إيران من الشمال. وهذا الإدراك الباكستاني يجعلها الحليف الأقرب لفهم المخاوف الإيرانية، إذ تؤمن القيادة الباكستانية أن سقوط النظام في طهران واستبداله بنظام موالٍ لتل أبيب سيعني تطويقاً كاملاً لباكستان بصفتها القوة النووية السنية والإسلامية الوحيدة، مما سيجعلها الهدف القادم في استراتيجية “تحجيم القوى الإسلامية”.
تستخدم باكستان ببراعة ورقة القضية الفلسطينية والعداء للصهيونية كأداة ضغط استراتيجية وأخلاقية ضد الهند، التي شهدت سياستها تحولاً جذرياً في عهد ناريندرا مودي لتصبح حليفاً وثيقاً لإسرائيل بعد عقود من الحياد أو دعم العرب، وهو التوجه الذي تراه إيران دليلاً على صدق الموقف الباكستاني وتوافقه مع تطلعاتها الإقليمية. وبسبب هذه الروابط الروحية والسياسية، تعتبر طهران أن الجغرافيا الباكستانية هي الملاذ الأكثر أماناً للوساطة؛ حيث يستحيل على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التلاعب بالساحة الباكستانية أو تنفيذ عمليات اغتيال ضد القادة الإيرانيين في إسلام آباد نظراً للقبضة الأمنية والسيادة العسكرية المحكمة.
كما يعد العمق الجغرافي الباكستاني وامتدادها كجارة مباشرة لإيران عنصراً حاسماً في قبول طهران لهذه الوساطة، فالعلاقات الممتازة التي تجمع إسلام آباد بكافة دول الخليج العربي تعطيها قدرة فريدة على نقل الرسائل وتهدئة المخاوف المتبادلة بين ضفتي الخليج من جهة، وبين طهران وواشنطن من جهة أخرى، مما يجعلها “جسر سلام” يمتلك ميزات لا تتوفر لأي طرف دولي آخر. فالجمع بين المظلة النووية والشرعية الإسلامية والعلاقة الاستراتيجية مع الغرب يمنح باكستان وزناً ثقيلاً يجعل من وساطتها ضمانة حقيقية لعدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة ومدمرة.
في الختام، تمثل الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطهران ضرورة استراتيجية للطرفين ولإسلام آباد نفسها؛ فهي من جهة تحمي باكستان من سيناريو التطويق “الهندي الإسرائيلي”، ومن جهة أخرى تعيد تقديمها كقوة عظمى إقليمية مسؤولة قادرة على هندسة الاستقرار في أكثر مناطق العالم تعقيداً.