وجهة نظر

بين تعقيد النزاع ورهانات الحل الواقعي: قراءة مغربية في تحولات ملف الصحراء المغربية

يُعد ملف قضية الصحراء المغربية من أكثر القضايا تعقيدا في شمال أفريقيا، حيث تتداخل فيه الأبعاد السياسية والأمنية والاجتماعية في سياق نزاع طال أمده حول الصحراء المغربية. وبينما تتباين المواقف والقراءات، يبرز في الخطاب المغربي الرسمي والشعبي على حد سواء، توجه واضح يقوم على الدفاع عن الوحدة الترابية، مقرونا بالدعوة إلى حلول واقعية تضع مصلحة الساكنة في صلب أي تسوية ممكنة، بعيدا عن منطق الصراع المفتوح الذي استنزف المنطقة لعقود.

لقد شكلت عودة عدد من القيادات السابقة للجبهة إلى المغرب، خاصة في إطار مبادرة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه “الوطن غفور رحيم”، نقطة تحول مهمة في فهم البنية الداخلية للتنظيم. هذه التحولات لم تكن فقط ذات بعد رمزي، بل أسهمت في كشف جوانب من آليات الاشتغال والتوازنات الداخلية بمخيمات الحمادة المقفرة، كما عززت السردية المغربية التي ترى أن جزءا من النخب الصحراوية اقتنع تدريجيا بضرورة البحث عن بدائل أكثر واقعية.

في المقابل، تظهر التطورات داخل رگ الحمادة في تندوف وجود تباينات واضحة بين تيارات مختلفة داخل البوليساريو، بعضها يميل إلى البراغماتية السياسية والبحث عن تسوية، وبعضها الآخر يظل متمسكا بخيارات أكثر تشددا وأكثر هؤلاء من جنسيات أجنبية (جزائرية او موريتانية او مالية…). هذه الانقسامات لا تعكس فقط صراعا تنظيميا، بل تعبر أيضا عن تحولات أعمق في وعي الأجيال الجديدة التي باتت تبحث عن أفق اقتصادي واجتماعي أكثر استقرارا.

ومن زاوية التحليل الاستراتيجي، يُسجل تطور ملحوظ في القدرات الاستعلامية و الاستخباراتية والتقنية للمغرب، وهو ما ساهم في تعزيز حضوره الميداني والدبلوماسي. غير أن تفسير كل هذه النجاحات بفرضية “الاختراق” أو التكائل الداخلي وحدهما قد يكون تبسيطا مفرطا، إذ تتداخل فيها عوامل متعددة، من بينها التحولات الدولية، والشراكات الأمنية، والاستثمار في التكنولوجيا، إضافة إلى العمل الدبلوماسي المتراكم.

كما أن التغييرات التي شهدتها قيادة ما يسمى بجبهة البوليساريو في فترات مختلفة، المرتبطة باسم إبراهيم غالي، يمكن قراءتها في إطار محاولات إعادة ضبط التوازن الداخلي ومواجهة تحديات متزايدة، سواء على مستوى الانضباط التنظيمي أو على مستوى الحفاظ على وحدة الخطاب. وفي هذا السياق، تظهر أحيانا حالة من الشك الداخلي، وهي سمة معروفة في الحركات التي تعيش نزاعات طويلة ومعقدة.

على المستوى الاجتماعي، تتزايد داخل المخيمات مطالب فئات واسعة، خصوصا من الشباب، بضرورة تحسين ظروف العيش وفتح آفاق جديدة تتجاوز حالة الجمود. هذا التحول في الأولويات يعكس نوعا من الإرهاق من استمرار النزاع، ويعزز الطرح القائل بضرورة الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الحلول العملية التي تضمن الكرامة والاستقرار.

وفي هذا الإطار، يبرز الطرح المغربي القائم على مبادرة الحكم الذاتي كخيار يُقدم على أنه قابل للتطبيق وذي أفق تنموي، في مقابل استمرار أطروحات أخرى مدعومة من الجزائر، التي ترى في الملف ورقة ضمن توازنات إقليمية أوسع. هذا التباين يعكس أن النزاع لا ينفصل عن حسابات جيوسياسية تتجاوز الفاعلين المحليين وعلى راسهم الجزائر وموريتانيا.

في المحصلة، يقتضي تناول هذا الملف الانطلاق من ثوابت الموقف المغربي، باعتباره طرحا يستند إلى امتدادات تاريخية وروابط سياسية واجتماعية متجذرة، وإلى رؤية حيوسياسية تسعى إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة. ومن هذا المنظور، فإن الدفاع عن الوحدة الترابية لا يُقدَّم فقط كخيار سيادي، بل كمدخل لحماية تماسك الشعب المغربي وضمان مصالحه الاستراتيجية، في ظل بيئة إقليمية معقدة. وعليه، فإن المستقبل الأفضل للصحراويين يُنظر إليه ضمن هذا الإطار، عبر حلول عملية تعزز التنمية وتفتح آفاق الاندماج، بدل استمرار نزاع طال أمده واستنزف الطاقات دون تحقيق نتائج ملموسة.