وجهة نظر

الترحال السياسي في المغرب.. حين يتحول الانتماء الحزبي من قناعة إلى أداة انتخابية

يصعب مقاربة ظاهرة الترحال السياسي في المغرب من زاوية أخلاقية محضة، كما جرت العادة في كثير من النقاشات العمومية، حيث يتم اختزالها في “خيانة” الانتماء أو في “انعدام المبدأ” لدى بعض المنتخبين. هذا التبسيط، رغم جاذبيته الخطابية، يحجب عنا فهما أعمق لظاهرة تكاد تكون بنيوية داخل المشهد الحزبي المغربي. فالترحال السياسي، في جوهره، ليس مجرد سلوك فردي منحرف، بل هو نتيجة مباشرة لاختلالات تطال معنى الانتماء الحزبي نفسه، كما يتشكل داخل سياق سياسي خاص، يجمع بين الاستقرار المؤسساتي واستمرار خصائص مرحلة انتقالية لم تستكمل شروطها بعد.

لفهم هذه الظاهرة، لا بد أولا من العودة إلى السؤال الأساسي، ما هو الانتماء الحزبي؟

نظريا، يقوم الانتماء الحزبي على ثلاث مرتكزات كبرى، هي القناعة الفكرية أو الإيديولوجية، والالتزام التنظيمي داخل الحزب، والمشاركة الفعلية في تحقيق مشروع سياسي يخدم الصالح العام. في الديمقراطيات المستقرة، تشكل هذه المرتكزات إطارا صلبا يحدد علاقة الفرد بالحزب، ويجعل من تغيير الانتماء الحزبي خطوة استثنائية، غالبا ما تكون مبررة بتحولات فكرية عميقة.

غير أن هذه الصورة النظرية تصطدم، في الحالة المغربية، بواقع أكثر تعقيدا. فالانتماء الحزبي هنا لا يقوم فقط على القناعة، بل يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي، والإيديولوجي بالانتخابي، والمبدئي بالبراغماتي. وهذا التداخل هو ما يفسر، إلى حد كبير، كيف يتحول الترحال السياسي من استثناء إلى ظاهرة متكررة، بل شبه “طبيعية” في بعض السياقات.

وأول ما يلفت الانتباه في الحالة المغربية هو ضعف التمايز الإيديولوجي بين عدد كبير من الأحزاب. صحيح أن الخريطة الحزبية تبدو، من حيث الشكل، متعددة وغنية، لكن عند التمحيص، نجد أن البرامج غالبا ما تتقاطع في العموميات، وأن الخطابات السياسية لا تعكس دائما اختلافات جوهرية في التصورات الاقتصادية أو الاجتماعية. وفي ظل هذا الوضع، يفقد الانتماء الحزبي أحد أهم ركائزه، أي القناعة الفكرية الواضحة. وحين تغيب الحدود الفكرية الصلبة بين الأحزاب، يصبح الانتقال من حزب إلى آخر أقل تكلفة على المستوى الرمزي، بل وأحيانا بلا معنى سياسي حقيقي.

لكن اختزال الأمر في ضعف الإيديولوجيا وحده سيكون قاصرا. فالعامل الحاسم في كثير من الحالات هو البعد الانتخابي. في المغرب، يلعب الحزب دورا أساسيا في تمكين الأفراد من ولوج الحقل السياسي، ليس فقط كفضاء للنقاش أو التأطير، بل كآلية قانونية وتنظيمية تمنح “تزكية” الترشح. هذه التزكية ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي مفتاح الدخول إلى المنافسة الانتخابية. ومن هنا، يتحول الحزب، بالنسبة لعدد من الفاعلين، إلى وسيلة لتحقيق هدف محدد يتجلى في الفوز في الانتخابات.

وفي هذا السياق، يصبح الانتماء الحزبي خاضعا لمنطق الفرص. المرشح لا يسأل فقط أي حزب يعبر عن أفكاره، بل يسأل أيضا، وربما أساسا عن الحزب الذي يمنحه حظوظا أكبر للفوز. وإذا لم يحصل على التزكية داخل حزب معين، أو إذا تراجعت حظوظه داخله، فإن الانتقال إلى حزب آخر يصبح خيارا عقلانيا ضمن منطق اللعبة. هنا، لا يعود الترحال خرقا للقاعدة، بل تطبيقا لها.

هذا المنطق الانتخابي يتعزز بعامل آخر لا يقل أهمية، وهو وزن الشبكات المحلية والعلاقات الاجتماعية. في عدد من الدوائر الانتخابية، لا تقاس قوة الحزب ببرنامجه أو بخطابه الوطني، بل بمدى حضور مرشحيه في الميدان، وقدرتهم على تعبئة الناخبين عبر شبكات النفوذ، سواء كانت عائلية أو اقتصادية أو جمعوية. في مثل هذه الحالات، يصبح المرشح هو “الأصل”، والحزب مجرد “وعاء” قابل للتغيير. وبالتالي، فإن انتقال المرشح من حزب إلى آخر لا يؤدي بالضرورة إلى فقدانه لقاعدته الانتخابية، ما دام يحتفظ بشبكته المحلية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال دور البنية الداخلية للأحزاب في إنتاج هذه الظاهرة. فضعف الديمقراطية الداخلية، وغموض معايير منح التزكيات، وهيمنة منطق الولاءات الشخصية في بعض الحالات، كلها عوامل تدفع بعض الأعضاء إلى البحث عن بدائل خارج أحزابهم. فحين يشعر المناضل أو المنتخب أن موقعه داخل الحزب لا يحسم بناء على الكفاءة أو الالتزام، بل على اعتبارات أخرى، فإن انتماءه يصبح هشا، وقابلا لإعادة التفاوض.

يضاف إلى ذلك أن التدرج داخل الأحزاب في المغرب غالبا ما يكون بطيئا، وغير مرتبط دائما بمعايير واضحة، مما يعزز الإحساس بعدم اليقين لدى العديد من الفاعلين. وفي هذا السياق، قد يبدو الترحال خيارا “براغماتيا” لتسريع المسار السياسي، خاصة إذا توفرت فرص أفضل في حزب آخر.
غير أن تحليل الظاهرة لا يكتمل دون استحضار السياق العام الذي تشتغل فيه الأحزاب. فالمغرب يتميز باستقرار مؤسساتي واضح، لكن هذا الاستقرار لا يعني أن الأحزاب هي الفاعل الوحيد أو المركزي في صناعة القرار. وجود فاعلين مؤثرين خارج الحقل الحزبي بالمعنى الضيق يجعل من قدرة الأحزاب على التأثير محدودة نسبيا، وهو ما ينعكس على جاذبيتها كمجال للالتزام طويل الأمد.

وحين يدرك الفاعل السياسي أن تأثير الحزب محدود، وأن مخرجات العملية السياسية لا تتحدد فقط داخل المؤسسات الحزبية، فإن انتماءه يفقد جزءا من معناه الاستراتيجي، ويتحول أكثر إلى أداة وظيفية. وهذا بدوره يغذي منطق الترحال، لأن العلاقة بالحزب لم تعد علاقة “هوية سياسية”، بل علاقة “موقع” داخل منظومة أوسع.

ويمكن القول إذن أن الترحال السياسي في المغرب هو نتيجة تفاعل معقد بين عدة عوامل، ضعف التمايز الإيديولوجي، ومركزية البعد الانتخابي، وقوة الشبكات المحلية، واختلالات التنظيم الداخلي للأحزاب، وطبيعة التوازنات العامة داخل النظام السياسي. هذه العوامل مجتمعة تعيد تشكيل معنى الانتماء الحزبي، بحيث يصبح أقل ارتباطا بالقناعة، وأكثر ارتباطا بالوظيفة.

لكن هل يعني هذا أن الظاهرة طبيعية أو مبررة بالكامل؟ هنا يجب التمييز بين الفهم والتبرير. فهم الترحال السياسي كنتاج لبنية معينة لا يعني القبول به كأمر واقع غير قابل للنقد. بل على العكس، هذا الفهم يفتح الباب أمام نقد أعمق، يتجاوز الأشخاص إلى البنيات.

فالترحال السياسي، رغم كونه مفهوما في سياقه، يحمل آثارا سلبية واضحة على جودة الحياة السياسية. أول هذه الآثار هو إضعاف الثقة بين المواطن والأحزاب. حين يرى الناخب أن المنتخب الذي صوت له تحت يافطة حزب معين ينتقل بسهولة إلى حزب آخر، فإنه يفقد الثقة في معنى التصويت نفسه. هل يصوت لبرنامج الحزب أم لشخص المرشح؟ وإذا كان هذا الأخير يمكن أن يغير انتماءه في أي لحظة، فما قيمة الاختيار الانتخابي؟

كما يساهم الترحال في إفراغ التعددية الحزبية من محتواها. فإذا كانت الأحزاب متشابهة إلى درجة تسمح بانتقالات متكررة بينهما دون كلفة سياسية، فإن التعددية تتحول إلى تعددية شكلية، لا تعكس اختلافات حقيقية في الخيارات. وهذا يضعف النقاش العمومي، ويحد من إمكانية بناء بدائل سياسية واضحة.

والترحال، بشكل عام، يعمق منطق الشخصنة في السياسة، حيث يصبح التركيز على الأفراد بدل البرامج. وهذا بدوره يعزز دور الأعيان والشبكات، على حساب العمل الحزبي المنظم والمؤطر.

ولمواجهة هذه الآثار، غالبا ما يتم طرح الحل القانوني، من خلال سن قوانين تحد من الترحال أو تمنعه. ورغم أهمية هذا الخيار، إلا أنه يبقى محدود الفعالية إذا لم يواكب بإصلاحات أعمق. فالقانون يمكن أن يقيد السلوك، لكنه لا يغير بالضرورة أسبابه.

والإصلاح الحقيقي يجب أن ينطلق من إعادة بناء أساسيات الانتماء الحزبي في المغرب. وهذا يمر أولا عبر تعزيز وضوح البرامج الحزبية، بحيث تصبح الأحزاب حاملة لمشاريع متميزة، لا مرددة لشعارات عامة. فكلما كانت الفوارق أوضح، كلما أصبح الانتماء أكثر معنى، والانتقال أكثر كلفة.
ولا بد من تقوية الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، عبر اعتماد معايير شفافة في اختيار المرشحين، وتوسيع مشاركة القواعد في اتخاذ القرار. فحين يشعر المناضل أن موقعه داخل الحزب يحسم بشكل عادل، تقل دوافعه للبحث عن بدائل خارجية.

كما يجب العمل على تقليص تأثير المال والنفوذ المحلي في العملية الانتخابية، عبر آليات رقابية صارمة، ودعم أشكال أخرى من التأطير السياسي. هذا من شأنه أن يعيد التوازن بين “الفاعل المحلي” و”المشروع الحزبي”.

ومن المهم أساسا تعزيز الثقة في العمل السياسي بشكل عام، عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع هامش المشاركة، وإعطاء معنى أكبر للانتخابات كمحدد فعلي للسياسات العمومية.

ويمكن القول إن الترحال السياسي في المغرب مرآة تعكس حالة أعمق تتجلى في حالة انتماء حزبي لم يستقر بعد على أسس صلبة، ويتأرجح بين القناعة والبراغماتية، وبين الفكرة والوظيفة. وبينما لا يمكن القضاء على الظاهرة بشكل كامل، يمكن على الأقل تقليصها، ليس فقط عبر المنع، بل عبر إعادة الاعتبار للسياسة نفسها، كفضاء للأفكار، لا كساحة للفرص.

وحينها فقط، قد يصبح الانتماء الحزبي في المغرب أكثر من مجرد بطاقة انتخابية، ليعود إلى معناه الأصلي الذي ينطلق من اختيار واع لمشروع جماعي، يلتزم به، ويدافع عنه، حتى حين تتغير الظروف.