أولاً : أرصفة بلا عطر “الهيكل في غياب الروح”
لو قُدِّر لعالم أنثروبولوجي أن يزور هذا المهرجان باحثاً، لخرج بمادة إثنوغرافية ثرية لا يجدها في الكتب : فضاء احتفالي يُتقن شكليات البهجة ويُخفق جوهرياً في استيعاب معناها ، فالأرصفة منصوبة، والخيام مُنتظمة، والأضواء مُسلَّطة – وكل شيء في مكانه مؤقت – إلا الورد .. إلا الفلاح .. إلا الحقيقة.
ما بات يلاحظه المنتقدون – وفي مقدّمتهم أبناء المنطقة – هو أن بوادر التراجع وعلامات الابتذال لم تعد تتسلل خجولةً بل باتت، بالتعبير الدارج الموحي، “مفروشة” : معروضة للعيان، مكشوفة الوجه، لا تكلّف نفسها حتى عناء الاختباء ..
يقول أحد الفلاحين في شهادة تختزل ألف تقرير تقييمي: “المعرض تنقصه المهنية أكثر .. هذا معرض منظم برعاية ملكية ويجب أن يكون في المستوى، بحيث هو آلية للتنمية التي تعطي للمنطقة إشعاعاً.” كلماتٌ بسيطة في مبناها، عميقة في ما تختزنه من خيبة أمل متراكمة .. رجلٌ يزرع الجمال ويُحاصره الإهمال، يطالب بما هو بديهي : أن يكون المهرجان في مستوى ما يحتفي به.
ثانياً: الورد اليتيم — سرديّة الجمال المنهوب وأرصفة بلا عطر : لنتوقف عند هذه الصورة التي رسمها أحد أبناء المنطقة بلسان الحال قبل لسان المقال: أمٌّ تستيقظ كل صباح يلفحها البرد ويوخزها الشوك، تجني وردات الفجر بيدين خشنتهما السنون، لتنتهي تلك الوردات عطراً في قوارير أنيقة تُزيّن رفوف محلات الشانزيليزيه، بينما تعود هي إلى بيتها بثمن لا يكاد يشتري قنينة غاز.
هذه ليست استعارة أدبية، بل هي سلسلة قيمة مُختلّة هيكلياً : الجهد في الجنوب، والربح في الشمال، والمهرجان في المنتصف ، يُصفّق لكليهما دون أن يُنصف أياً منهما ،
إن الورد الدادسي ، بحمولته الجغرافية والفنية والجمالية والثقافية الثرية ، صار بتعبير شاعري مؤلم : يتيماً بلا أب ينافح عنه، وحين يكون الورد يتيماً في مهرجانه الخاص ، فاعلم أن ثمة خللاً في المنظومة يتجاوز سوء التنظيم إلى ما هو أعمق : غياب الإرادة في الإنصاف.
ثالثاً : التعاونيات – أقنعة المرافعة وأدوات الريع
في باب الحلول المُقترحة، ثمة إجماع نظري على أن التعاونيات وهيئات المجتمع المدني تُمثّل الرافعة الأنسب للدفاع عن حقوق منتجي الورد ، غير أن الواقع يكشف مفارقة مُحرجة : فالتعاونيات القائمة فعلاً، تلك التي تتحدث رسمياً باسم الورد، تتحرك أغلبها داخل أُطر التحكّم السياسي المحلي، وتستمد شرعيتها لا من قاعدتها الفلاحية، بل من علاقاتها بأصحاب القرار.
بمعنى أدق : الجهة المفترض أنها تُدافع عن الورد باتت جزءاً من المنظومة التي تستنزفه ، تجرفه ، تقتله ، الحارس صار شريكاً في التجريف ، والمرافع تحوّل إلى محامي الخصم ، وهذا ما يجعل إنشاء منابر مدنية حقيقية مستقلة فعلاً، لا شكلاً ضرورةً وجودية لا ترفاً تنظيمياً
رابعاً : السؤال الذي يُحرج الجميع
هل الورد العطري الدادسي — بكل ما يحمله من هوية وتاريخ وثقافة يتماشى مع الرداءة والبيروقراطية؟
السؤال بلاغي في صياغته ، لكنه جوهري في دلالته ، إذ يُشير إلى التناقض العميق بين خصوصية هذا المنتج الاستثنائي وبين المعاملة الاعتيادية ، بل الدون اعتيادية التي يلقاها في مهرجانه ، فالورد الدادسي ليس مجرد محصول زراعي، بل هو منتجٌ يحمل بصمة جغرافية وروحاً ثقافية وإرثاً بشرياً ، والتعامل معه بمنطق السوق الخام وحده ، دون حماية قانونية ولا تثمين حقيقي ، هو ضربٌ من الجريمة الثقافية الهادئة.
خامساً : التحذير البيئي — الجفاف العاطفي والمادي : ولا يمكن ختم هذه القراءة دون الإشارة إلى التحذير الأشد خطورة : فمزيدٌ من الضيعات الكبرى وسط صحراء تتمدد ينذر بمزيد من استنزاف الفرشة المائيةة، ومزيد من التصحر الذي لا يطال التربة وحدها، بل يطال العلاقة الإنسانية بالأرض ذاتها ، ذلك الجفاف العاطفي الذي يجعل الفلاح يُحدّق في وردته الأخيرة ويتساءل: هل يستحق الوضع كل هذا الأمر؟
والسؤال الذي يطرح ولم يجد بعد جوابا من يُثمّن ورد أمي؟ تثمين الورد مرتبط حتماً بتثمين الإنسان الذي يزرعه والمجال الذي ينبت فيه ، فلا يمكن لعطر الورد أن يفوح حقاً في مجال يختنق بالإهمال ، ولا يمكن لمهرجانه أن يُشعّ وهو يُدار بمنطق الواجهة لا بمنطق التنمية.
فالمطلوب ليس مهرجاناً أجمل ديكوراً، بل مهرجاناً أصدق ضميراً : يضع الفلاح في مركزه ، يُقيَّم بمعايير واضحة، ويُحاسَب بشفافية مفتوحة، ويُنتج قيمةً مضافة تعود إلى من غرس وسقى وقطف ، لا إلى من جلس وانتظر وحصد.
أما السؤال الذي طرحه ابن المنطقة بكل ألمه ومحبته : “من يدافع عن ورد أمي؟” فهو سؤال يستحق أن يُرفع لافتةً في وجه كل مهرجان يحتفي بالورد بينما يُنسى زارعوه على قارعة التنمية المؤجلة –