وجهة نظر

نقاش هادئ في واقعة صلاة الحريديم بمراكش

بعد انحسار الجدل الأول الذي رافق فيديو صلاة الحريديم قرب باب دكالة بمراكش، بات من الممكن قراءة الواقعة بهدوء أكبر. فالمشهد الذي انتشر على المنصات جرى تحميله بسرعة معاني سياسية ثقيلة، من قبيل “الاختراق الصهيوني” و”أجندات استيطان”…الخ، قبل أن تتضح المعطيات الأساسية المتعلقة بهوية الأشخاص الذين ظهروا فيه وسياق وجودهم بالمكان. وهذا وحده يفرض العودة إلى الوقائع كما هي، لا كما جرى تضخيمها في لحظة الانفعال الأولى.

بحسب ما أكده جاكي كادوش، رئيس الطائفة اليهودية المغربية بجهة مراكش-آسفي، في تصريحات لوسائل إعلام مغربية، ثم في حديثه إلى لوموند، فإن المجموعة التي ظهرت في الفيديو جاءت من نيويورك، وكانت على متن حافلة وتوقفت فقط لأداء صلاة المساء. وأضاف أن المعنيين ينتمون إلى الساتمار الحريديم، وأن الواقعة مرتبطة بتوقف قصير ضمن زيارة دينية، لا بحدث سياسي منظم أو بدلالة خاصة للمكان نفسه.

لكن النقطة الأهم في هذا الملف لا تتعلق فقط بما وقع، بل أيضا بطريقة قراءة هوية المجموعة نفسها. فالوسط الحريدي لم يدخل المجال الإعلامي العربي والمغربي، خلال الشهور الأخيرة، من باب “الخطر الصهيوني” أساسا، بل من باب آخر معاكس تماما، بوصفه شاهدا من داخل اليهودية ضد الصهيونية.

صحيفة صوت المغرب، على سبيل المثال لا الحصر، خصصت حوارا للحاخام يسرائيل دافيد وايس المنتمي لطائفة الحريديم، وقدمته بصفته متحدثا باسم حركة “ناطوري كارتا” الحريدية، ونقل عنه أن الصهيونية “خيانة لليهودية” و”معاداة للسامية”. وصحيفة القدس العربي فعلت الشيء نفسه عندما قدمت الرجل بوصفه صوتا حريديا مناهضا للصهيونية، ثم عادت في حوار لاحق إلى نقل دعوته إلى تفكيك إسرائيل واعتباره إياها خطرا على اليهود والمسلمين. هذا مهم، لأن المرجعية الحريدية نفسها لم تكن موضع توجس حين استُدعيت لخدمة أطروحة مناهضة التطبيع، لكنها صارت فجأة موضع ريبة حين ظهرت في مشهد معزول بمراكش.

في هذا السياق، يبرز استعمال مفهوم “الاستفزاز” بوصفه أحد أكثر مظاهر التناقض وضوحا. فبض الأصوات عادت بعد الواقعة لتطرح السؤال في صيغة تجمع بين ما وصفته بـ “غير المألوف” و”الاستفزاز”، مع أن الأصوات نفسها كانت قد فتحت المجال سابقا للحاخام وايس ولشخصيات حريدية أخرى، بلباسهم ورمزيتهم وخلفيتهم الحريدية نفسها، عندما كان يخدم خطابا آخر. هنا لا تتغير الجماعة، بل تتغير فقط الزاوية التي يُراد أن تُستعمل فيها صورتها. وهذا ما يجعل السؤال مشروعا: كيف يصبح الرمز نفسه مقبولا حين يخدم السردية، ثم يصبح مستفزا حين يربكها؟

والمفارقة تبدو أكثر وضوحا وإثارة على مستوى بعض التيارات السياسية والدعوية، مثل حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة. القيادي محمد يتيم ـ وهو عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ـ كتب عن حركة “ناطوري كارتا” الحريدية باعتبارها حركة دينية يهودية مناهضة للصهيونية، ترى أن قيام دولة لليهود لا يكون إلا بإذن من الرب لا بالفعل البشري. وعلى موقع حركة التوحيد والإصلاح نفسه قُدِّم يعقوب بيرل بصفته “اليهودي المغربي المناهض للصهيونية”، كما نُقلت عنه مواقف داعمة للفلسطينيين.

وغطى الموقع وقفات أخرى حضرها بيرل وابنه، وأشار في تغطية لاحقة إلى استقبال زعيم “ناطوري كارتا” لأنه “يناضل ضد الصهيونية”. إذا كان هذا القرب من المرجعية الحريدية قد استُخدم في سياقات سابقة باعتباره دعما رمزيا وسياسيا مفيدا، فمن الصعب فهم لماذا يتحول المظهر نفسه والمرجعية نفسها إلى دليل على “الاستفزاز” بمجرد أن الأمر يتعلق بصلاة عابرة في مراكش.

هنا يبرز معطى آخر يفرض مزيدا من الحذر في طريقة صناعة الرموز وتوظيفها. فبعد أن قُدِّم يعقوب بيرل في هذا الفضاء بصفته “يهوديا مغربيا مناهضا للصهيونية”، أفادت تايمز أوف إسرائيل وجيروزاليم بوست في شتنبر 2025 بأن الرجل، وهو أمريكي-إسرائيلي عاش في المغرب سنوات وكان مرتبطا بالساتمار الحريديم، صار موضوع اتهام أو متابعة في ملف تجسس لصالح إيران.

طبعا لا يعني هذا التسليم التلقائي بالرواية الأمنية الإسرائيلية، لكنه يفرض سؤالا منهجيا واضحا: إذا كان ممكنا أن يُقدَّم شخص لسنوات كرمز “مناهض للصهيونية”، ثم يظهر لاحقا في ملف أمني بهذه الخطورة، أفلا يقتضي ذلك قدرا أكبر من الحذر قبل تحويل أي اسم أو طائفة أو مشهد إلى عنوان جاهز؟ وإذا كان البعض يطالب دائما بالحذر عندما يتعلق الأمر باتهامات من هذا النوع، فلماذا لا يطبق المعيار نفسه حين يتعلق الأمر بحديث سهل عن “اختراق صهيوني” وبلد “مستباح”؟

وفي الوقت نفسه، فالدقة تقتضي عدم تسطيح المرجعية الحريدية نفسها. فالمسألة لا تتعلق فقط بأن هؤلاء “ضد إسرائيل” بمعنى سياسي مبسط. فالمراجع التعريفية، مثل موسوعة بريتانيكا في مدخلها عن ناطوري كارتا، وما نُقل في حوارات وايس مع صوت المغرب والقدس العربي، توضح أن اعتراض هذه الجماعات أعمق من مجرد رفض حركة صهيونية أو حكومة أو حرب؛ إنه اعتراض عقدي على قيام الدولة بفعل بشري قبل مجيء المسيح، وليس اعتراضا كليا وقطعيا على مبدأ قيام دولة إسرائيل. هذه نقطة مهمة، لأنها تجعل استدعاء الحريديم في السجال العام، مرة كشاهد مفيد ومرة كرمز مشبوه، تعبيرا عن استعمال اختزالي للمرجعية نفسها في الاتجاهين معا.

أما طريقة الصلاة نفسها، التي جرى التعامل معها كأنها شيء شاذ في ذاته، فليست مجهولة داخل هذه الأوساط. صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، كانت قد شرحت أن اليهود الأرثوذكس يحتاجون إلى الصلاة في أوقات محددة خلال اليوم، وهو ما يدفعهم أثناء السفر إلى اقتناص أي فسحة متاحة في فضاءات العبور. وصحيفة هآرتس وصفت استراحة على طريق سريع في ولاية نيويورك كانت تتحول مساء كل خميس صيفا إلى موضع صلاة لليهود المتدينين. كما وثقت رويترز في مونسي صلاة جماعية في فضاء سكني مفتوح خلال عيد المظال لتفادي الازدحام داخل الكنيس. هذه المعطيات لا تجعل كل واقعة نسخة من الأخرى، لكنها تكفي لسحب هالة “الغرابة المطلقة” عن مشهد باب دكالة.

وسط هذا كله، تبرز مفارقة أخرى لا تقل أهمية. فبعض من يرفعون اليوم سقف التهويل هم أنفسهم الذين يرفضون، في ملفات أخرى، أي اتهام لأشخاص أو شبكات بخدمة أجندات خارجية (إيرانية مثلا)، بحجة أن مؤسسات الدولة الأمنية والاستخباراتية تعرف ما يجري، وأنها لو رأت خطرا حقيقيا لتدخلت. لكنهم هنا يتصرفون فجأة كما لو أن هذه المؤسسات غير موجودة، أو كما لو أن بلدا بكامله يمكن أن يكون “مخترقا” و”مفتوحا للاستيطان” بناء على فيديو واحد لجماعة وافدة توقفت للصلاة. وإذا كان معيار الحذر مطلوبا في الاتهامات الأخرى، فمن المنطقي أن يظل مطلوبا هنا أيضا، لا أن يختفي عندما لا يناسب السردية المراد تمريرها.

وفي الحالة المغربية بالذات، لا يمكن فصل أي نقاش من هذا النوع عن الإطار الدستوري والمؤسساتي للبلد. فديباجة دستور 2011 تنص على أن الهوية المغربية الموحدة غنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية، كما ينص الفصل 41 على أن الملك، أمير المؤمنين، هو الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية. في بلد بهذا البناء، وتحت هذه المرجعية، يصعب أن تتحول لقطة محدودة لجماعة وافدة من الخارج إلى دليل جدي على “استباحة” أو “اختراق”.

لهذا، فإن النقاش الهادئ في واقعة صلاة الحريديم بمراكش يقود إلى نتيجة مختلفة تماما عن تلك التي أرادها خطاب التهويل. الوقائع المتاحة لا تسند رواية “الاختراق”، والمرجعية الحريدية التي جرى التلويح بها ليست مجهولة ولا بسيطة، والأرشيف الإعلامي نفسه يكشف التناقض حين يفتح المنابر لهذه الأصوات بوصفها حجة ضد الصهيونية في لحظة، ثم يعاملها في لحظة أخرى كأنها تهمة مكتفية بذاتها. وما يحتاجه هذا الملف، بعد انقضاء الضجيج، ليس مزيدا من التهويل، بل قدرا أكبر من الانضباط، من خلال التمييز بين صلاة عابرة لجماعة وافدة، وموقف حريدي عقدي معقد من قيام الدولة، وسردية تهويلية حمّلت المشهد أكثر مما يحتمل.