المغرب ودروس مالي: لماذا لا يمكن الاكتفاء بالمراقبة؟
منتدى العمق

المغرب ودروس مالي: لماذا لا يمكن الاكتفاء بالمراقبة؟

ما يجري في مالي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة في دولة بعيدة جغرافيا، بل هو نموذج مكثف للفوضى المركبة التي تعرفها منطقة الساحل والصحراء، حيث تتداخل وتتزاوج حركات الانفصال مع الجماعات المتطرفة، وتضعف الدولة، وتتزايد الصراعات الجيوسياسية بين الفاعلين الدوليين على النفوذ في المنطقة. هذا الواقع لا ينبغي قراءته باعتباره شأنا داخليا ماليا، بل باعتباره مؤشرا على تحولات أعمق تعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

الهجوم الذي استهدف عددا من المدن المالية، بما فيها باماكو، وأسفر عن مقتل قيادات عسكرية بارزة، لا يمكن اختزاله في كونه حادثا عرضيا أو ردة فعل معزولة، بل هو تعبير عن مستوى جديد من التنسيق والاختراق، يعكس أن الفاعلين في هذه الساحة لم يعودوا مجرد جماعات محلية مشتتة، بل أطرافا قادرة على الاستفادة من دعم استخباراتي ولوجستي معقد، أيا كان مصدره.

ومن هنا، يصبح من السطحي ربط هذه التطورات بسبب واحد فقط، مثل الاعتراف المالي بالسيادة المغربية على الصحراء، فالأمر يتجاوز ذلك بكثير، ليمس صلب التنافس الإقليمي والدولي على منطقة الساحل. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الجزائر لها مصلحة كبرى في إسقاط النظام العسكري في مالي أو على الأقل الضغط عليه، وقد تجد الجزائر في إثارة الفوضى في مالي والساحل فرصة لتحويل الرأي العام الداخلي عن الكارثة التي منيت بها الدبلوماسية الجزائرية في ملف الصحراء. فقد طفت مؤخرا عدة خلافات بين الجزائر ومالي، بدءا بإنهاء العمل باتفاق السلام الذي عقد بوساطة جزائرية بين مالي وحركة الأزواد سنة 2015، مرورا بحوادث ميدانية زادت من منسوب التوتر، خاصة بعد إسقاط الجزائر لطائرة مسيرة تابعة للجيش المالي في شمال مالي، وصولا إلى إعادة ترتيب التحالفات المرتبطة بملف الصحراء، حيث أدى الاعتراف المالي بالسيادة المغربية على الصحراء إلى خلط أوراق الجزائر وجبهة البوليساريو في المنطقة.

في هذا السياق، يطرح سؤال أساسي: هل المغرب معني فعلا بما يجري في مالي؟ الجواب، بكل تأكيد، هو نعم، وبشكل مباشر. فالفكرة القائلة إن أزمات الساحل بعيدة عن المغرب لم تعد مقنعة، خاصة في ظل تنامي الشبكات المسلحة وانتشار السلاح عبر الحدود. وأي انفلات أمني في هذه المنطقة يحمل في طياته احتمالات التمدد، سواء عبر التهديدات الإرهابية أو عبر شبكات التهريب.

لكن التهديد لا يقف عند هذا الحد، فهناك مستوى آخر أكثر حساسية، يتعلق بإمكانية استلهام بعض الفاعلين، وعلى رأسهم جبهة البوليساريو الانفصالية، لسيناريو مالي.
صحيح أن السياقات تختلف، وأن موازين القوى ليست واحدة، لكن الخطأ الكبير هو الاعتقاد أن الفوارق كافية لإلغاء الخطر. فالتجارب الحديثة أظهرت أن الوسائل البسيطة، مثل الطائرات المسيرة الانتحارية الصغيرة، قادرة على إرباك جيوش نظامية، وحتى إن لم تحسم المعارك، فإنها تجعل المواقع العسكرية أهدافا سهلة، وتزيد من الضغط على الأنظمة الدفاعية الباهظة الكلفة. وهناك نماذج كثيرة في العالم، خاصة في أوكرانيا وجنوب لبنان.

من هذا المنطلق، يمكن فهم كيف أن بعض الأطراف الانفصالية قد ترى في ما يحدث في مالي مصدر إلهام، ليس بالضرورة لإعادة إنتاج التجربة بحذافيرها، ولكن لاستلهام أدواتها وتكتيكاتها. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس في التشابه الكامل، بل في نقل أدوات الفوضى إلى سياقات مختلفة.

إن المغرب مدعو إلى التعامل مع هذه التحديات بشكل استباقي، ولا يمكن أن يظل رهينا بردود الفعل أو بالرهان على المقاربات الظرفية. بل يتطلب الأمر مقاربة تقوم على مبدأ واضح: منع تشكل بيئات الفوضى قبل انتقالها. وهذا يعني أن المغرب مدعو للعب دور أكثر حضورا في محيطه الإفريقي، ليس فقط من زاوية الدفاع عن مصالحه، بل أيضا من زاوية المساهمة في استقرار المنطقة.

وفي هذا الإطار، يبدو مسار الوساطة المغربية بين الأطراف المالية المتنازعة، أحد المسارات الممكنة، إلى جانب ضرورة حشد دعم دولي حقيقي لمواجهة التهديدات الإرهابية. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، ستظل محدودة الأثر إذا لم تقترن برؤية أوسع تعالج جذور الأزمة.

صحيح أن التنمية تمثل رافعة أساسية لتقليص التوترات، لكن الحديث عن التنمية في غياب الاستقرار يظل أقرب إلى التمني منه إلى التخطيط الواقعي. فالاستثمار لا يزدهر في بيئة مضطربة، والبنيات التحتية لا تصمد في ظل انعدام الأمن. لذلك، فإن التحدي الحقيقي في منطقة الساحل ليس فقط تحقيق التنمية، بل خلق الحد الأدنى من الاستقرار الذي يجعل هذه التنمية ممكنة.

في النهاية، درس مالي واضح: الفوضى عندما تترك لتتراكم، لا تبقى محلية، بل تتحول إلى عدوى إقليمية خاصة في ظل وجود إرادة قوية من طرف دول بعينها في إثارة القلاقل وخلق الفوضى لتحقيق مكاسب معينة. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغرب اليوم ليس هل سيتأثر بما يجري، بل متى وكيف، وما الذي يمكن فعله لتفادي ذلك قبل فوات الأوان.