منتدى العمق

“مستقبل مصر”.. الأمن الغذائي القومي

في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد المصري، لم يعد الحديث عن الأمن الغذائي مجرد نقاش تقليدي، بل تحوّل إلى ملف استراتيجي يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على الصمود في عالم تتزايد فيه الأزمات، وتتعاظم فيه أهمية امتلاك أدوات الإنتاج والسيطرة على الموارد.

لم يعد السؤال: ماذا نزرع؟
بل: كيف نبني قدرة دولة مستقلة غذائيًا على المدى الطويل؟

هنا يبرز جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، كأحد أهم أدوات الدولة في إعادة صياغة منظومة الغذاء، ليس كقطاع زراعي فقط، بل كمنظومة إنتاج متكاملة تقوم على التخطيط طويل الأمد وربط الزراعة بالصناعة والتخزين والتوزيع.

الأمن القومي الغذائي

في دولة يتجاوز عدد سكانها 100 مليون نسمة، ظل الاعتماد على الخارج في سلع استراتيجية وعلى رأسها القمح يمثل أحد أبرز نقاط الضغط الاقتصادي.

ومع التحولات العالمية، خصوصًا بعد الحرب الروسية الأوكرانية، أصبح واضحًا أن الغذاء لم يعد سلعة تجارية فقط، بل عنصرًا من عناصر القوة والسيادة.

ومنذ تأسيسه عام 2022، تحرك جهاز مستقبل مصر ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى الانتقال من نموذج يعتمد على الاستيراد، إلى نموذج يقوم على تعظيم الإنتاج المحلي وبناء قاعدة إنتاجية مستدامة.

القمح… من الاستيراد إلى التحكم الاستراتيجي

شهد ملف القمح تحولًا لافتًا خلال 2025:

• تراجع قيمة واردات القمح بنسبة 25% خلال أول 9 أشهر من 2025
لتسجل 2.6 مليار دولار مقابل 3.4 مليار دولار في 2024
(توفير يقارب 800 مليون دولار)

• انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 8 إلى 10.7% لتصل إلى حوالي 13.2 مليون طن

• تنويع المناشئ (روسيا، أوكرانيا، فرنسا، بلغاريا، رومانيا)

ويرتبط هذا التحول بعاملين رئيسيين:

* انتقال إدارة استيراد القمح إلى جهاز مستقبل مصر منذ 2024، مما جعله مشتريًا استراتيجيًا أكثر كفاءة وتأثيرًا في السوق العالمي
⁠
* زيادة الإنتاج المحلي تدريجيًا

النتيجة:
تحولت الدولة من مستورد تقليدي في السوق العالمية إلى مشترٍ استراتيجي أكثر تأثيرًا وتنظيمًا.

الصادرات الزراعية… صعود تاريخي

على الجانب الآخر، حقق القطاع الزراعي طفرة واضحة:

• 11.5 مليار دولار صادرات زراعية في 2025،
مقارنة بنحو 7.5–8 مليارات دولار فقط قبل 5 سنوات

• 9.5 مليون طن صادرات (بزيادة نحو 800 ألف طن عن 2024)

وتتصدر:
* الموالح (خصوصًا البرتقال)
* البطاطس
* عدد من المحاصيل الطازجة والمصنعة

الدلالة الأساسية:
تحولت مصر من دولة تعتمد على الاستيراد إلى فاعل مؤثر في سوق الغذاء الإقليمي والدولي.

إعادة رسم الخريطة الزراعية

يمثل مشروع الدلتا الجديدة محور التحول الأكبر، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى 4.5 مليون فدان بحلول 2027 عبر 7 مشروعات رئيسية.

أبرزها:
* الدلتا الجديدة (2.2 مليون فدان)
* الداخلة والعوينات (660 ألف فدان)
* سيناء (450 ألف فدان)
* الصحراء الشرقية والصعيد (منها 62 ألف فدان مكتملة البنية في المنيا وبني سويف)

كما تشير البيانات إلى الوصول إلى نحو 800 ألف فدان مستصلحة حتى 2023-2024، مع تسارع واضح في التوسع خلال 2025.

المعنى:
إعادة توزيع جغرافيا الإنتاج الزراعي خارج وادي النيل بشكل غير مسبوق.

تكنولوجيا الزراعة الجديدة

التحول لا يقتصر على التوسع، بل يمتد إلى نمط الإنتاج:

• الاعتماد على الري الحديث والمحوري
• استخدام المياه المعالجة في الزراعة
• رفع كفاءة الفدان في محاصيل استراتيجية
• إدخال أنظمة إدارة ذكية للمزارع

الهدف:
الانتقال من زراعة تقليدية إلى زراعة عالية الكفاءة منخفضة الهدر.

إعادة تشكيل الاقتصاد الزراعي

ما يتم تنفيذه يتجاوز مفهوم المشروع الزراعي التقليدي:
• صوامع تخزين بسعة 500 ألف طن
• مجمعات تبريد وتخزين بسعة 90 ألف طن
• أكثر من 500 كم طرق داخلية
• محطات كهرباء بقدرة 350 ميجاوات
• محطات معالجة مياه ضخمة، أبرزها محطة الدلتا الجديدة بطاقة تصل إلى 7.5 مليون م³ يوميًا

النتيجة:
بناء منظومة إنتاج متكاملة قائمة على الاستدامة وليس التوسع فقط.

من الزراعة إلى القيمة المضافة

أحد أهم التحولات يتمثل في ربط الإنتاج الزراعي بالصناعة:
* مصانع أعلاف
* صناعات غذائية
* مراكز لوجستية للحبوب
* سلاسل تعبئة وتصدير

المعنى الاقتصادي:
رفع قيمة المنتج المحلي بدل تصديره خامًا، وتعظيم العائد الاقتصادي للدولة.

أثر اقتصادي ممتد

تشير التقديرات إلى:
* استبدال واردات بقيمة 4.3 مليار دولار حتى 2024، مستهدف 3.7 مليار دولار سنويًا من تقليل الواردات، مع إضافة 2 مليار دولار صادرات سنوية بحلول 2029

كما ينعكس ذلك على سوق العمل:
* 40 ألف وظيفة مباشرة + 2 مليون غير مباشرة (2024)، مستهدف 80 ألف مباشرة + 3.5 مليون غير مباشرة (2027)

وتشير المؤشرات إلى:
* توسع زراعة القمح إلى 3.5 – 3.76 مليون فدان (موسم 2025/2026)
* توقع إنتاج يصل إلى 9.8 مليون طن قمح محلي في 2026/2027
* تحقيق اكتفاء ذاتي مرتفع في المنتجات الحيوانية
* توسع في تصدير الفائض الزراعي إلى أكثر من 167 دولة

الاتجاه العام:
تقليل الفجوة الاستيرادية تدريجيًا وتعزيز مكانة مصر كمصدر غذائي إقليمي ودولي.

تحويل الصحراء إلى أصل اقتصادي

يعتمد النموذج على تحويل الأراضي المستصلحة إلى بيئة استثمارية عبر:

* تجهيز بنية تحتية كاملة
* توفير مرافق إنتاج وخدمات
* جذب القطاع الخاص والشراكات الدولية
* دمج الاستثمار بالإنتاج الزراعي والصناعي

النتيجة:
تحويل الزراعة من قطاع دعم إلى قطاع اقتصادي استثماري مباشر.

فلسفة جديدة

“مستقبل مصر” يمثل تحولًا هيكليًا في فلسفة إدارة ملف الغذاء:

* من استيراد يعتمد على الخارج إلى إنتاج متصاعد

⁠
* من زراعة تقليدية إلى منظومة صناعية زراعية متكاملة
⁠
من فجوة غذائية إلى تقليص تدريجي للاعتماد الخارجي

* من إدارة قطاع إلى بناء نظام اقتصادي متكامل حول الغذاء

وفي عالم تتغير فيه معادلات الغذاء والموارد بوتيرة سريعة، يصبح هذا النموذج جزءًا من محاولة أوسع لإعادة بناء القدرة الاقتصادية للدولة على أسس أكثر استدامة واستقلالًا.

لأن المعركة القادمة لا تتعلق فقط بالغذاء ، بل بمن يملك مفاتيح توفيره من الأساس.

 

* وائل الغول، كاتب ومحلل سياسي